الصفحة 49 من 179

بتقدير محذوف، ولا يصح هذا هنا، فلا يقال: حفرت البئر بالحصول على الماء او بشرب الماء.

الخامس: ان النحاة احيانا يسمون باء التعليل بالسببية، واحيانا اخرى يسمون باء الاستعانة بالسببية، فاقوالهم عامة يستغنى فيها بباء السببية عن ذكر باء الاستعانة تارة، وعن ذكر باء التعليل تارة اخرى. وعليه لم يكن الامر كما ذكر الشيخ يس، ولم يكن ما تحصل لدية من اقوالهم صحيحا.

السادس: ان الواضح لدينا في تفريق الشيخ يس بين باء العلة وباء السببية انه متاثر بمفهوم العلة والسبب عند علماء اصول الفقة، وهذا التفريق لم يعمل به قسم من الاصوليين انفسهم في باء التعليل. [1] والنحويون لم يفرقوا بينهما الا نادرا كما راينا، ومن فرق فليس على مذهبه.

من اجل ما تقدم، لا نعتد بهذا التفريق بين الباءات الثلاث.

ونخلص من ذلك كله الى ان باء التعليل وباء السببية اسمان للباء عندما تبين السبب، والاستعانة معنى مختلف تفيده الباء عند دخولها على آلة الفعل.

وذكر النحاة للباء معنى (المقابلة) ويسمونه ايضا العوض والتعويض، ويعنون به ان يعوض ما بعد الباء ما قبلها، فالباء هنا اذا: (( هي الداخلة على الاعواض والاثمان حسا ... او معنى ) ) [2] ومثلوا للحسي بقولهم: (بعتك هذا الثوب بهذا العبد) فمدخول الباء (هذا العبد) هو المقابل او الثمن لما قبلها. والمعنوي، نحو: (كافات احسانه بضعف) فضعف الاحسان هو المقابل او التعويض للاحسان.

جاء في الجنى الداني: (( قال بعض النحويين المتاخرين في معاني الباء انها تجيء للبدل والعوض، نحو: هذا بذاك - أي: هذا بدل من ذاك وعوض منه، قال: والصحيح ان معناها السبب الا ترى ان التقدير: هذا مستحق بذاك، أي: بسببه ) ) [3] . ومثل ابو الحسين المزني لباء العوض عن الاسم بقوله عز وجل: {والذين هم به مشركون} (القمر:34) وقدره بـ: من اجل ابليس [4] .ومن ثم فان ما بعد المقابلة سيكون سببا في ما قبلها، وهذا غير مستقيم لاسباب:-

1 -ان ما بعد الباء لا يصلح ان يكون سببا في ما قبلها، فالعبد في قولهم (بعتك هذا الثوب بهذا العبد) ليس سببا لبيع الثوب كما ان ضعف الاحسان في (كافات احسانه بضعف) ليس سببا في الاحسان او المكافاة. فان قيل: الا يصح ان يكون الاحسان سببا للمكافاة بالضعف؟! قلنا: بلى، يفهم هذا من السياق، لا ان الباء افادته، لان باء التعليل تدخل على ما يكون سببا في ما قبلها، وهي هنا دخلت على ضعف الاحسان لا الاحسان، فلا يصح ان نقدره: كافات احسانه بسبب ضعف الاحسان. ولهذا نجد في ما جاء

(1) تنظر حاشية العطار: 1/ 441.

(2) شرح التصريح: 2/ 13، وينظر مغني اللبيب: 1/ 110.

(3) الجنى الداني: 105.

(4) بنظر: الحروف: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت