الصفحة 31 من 179

والذي يظهر جليا ان التعليل باللام عند دخولها على الفعل المضارع يكون تعليلا بالغرض دون السبب ولهذا سماها بعض العلماء: (لام الغرض) [1] ، وسميت ايضا: (لام كي) لان (كي) لا تفيد الا التعليل بالغرض على ما سياتي، ولا يكون التعليل بها بالسبب؛ اذ ان السبب -كما ذكرنا- يكون متقدما ذهنا وخارجا، والفعل المضارع بعد لام التعليل ليس كذلك لانه مستقبل ومتاخر عما قبل اللام ونتيجة متوقعة له.

فان قيل: ان اللام في (لتفتروا) في قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} (النحل:116) هي لام التعليل ولم تدخل على غرض مع انها دخلت على الفعل المضارع؛ اذ قال الزمخشري: (( واللام في(لتفتروا) من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض )) [2] .

قلنا: ان قول الزمخشري يقصد به لام العاقبة والصيرورة لا لام التعليل على اساس ان الافتراء ما كان غرضا لهم، مع ان اللام على الا ظهر هي لام التعليل وانهم قصدوا الافتراء [3] . أي كانت غايتهم ان يفتروا الكذب على الله تعالى.

وتدخل اللام عندما تفيد التعليل على الاسماء والافعال، وهذا واضح فيما ذكر من امثلة. وقيل انها تدخل على الحروف كذلك [4] ، ومثل له بقوله عز وجل: {واذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب وحكمة} (ال عمران:81) في قراءة من قرا بكسر اللام [5] . فهي على هذا الراي داخله على (ما) المصدرية وهي حر، والمعنى: (لاجل ايتائي اياكم بعض الكتاب والحكمة ... ) [6] على ان هذا قد يوضع في باب الاسماء لان (ما) المصدرية وما بعدها يؤولان بمصدر (وهو اسم) ، فيجزي عن ذلك عندئذ قول من قال ان اللام تدخل على الاسماء والافعال. وليس من بين الحروف المعللة ما يفيد التعليل مع الاسماء الصريحة والافعال معا غير اللام.

وتجدر الاشارة الى ان اللام يسال بها عن علة كل فعل (غرضا كانت او سببا) لانه لابد للفاعل من غرض يريد تحقيقه بايقاع الفعل او سبب يدفعه الى فعله، وكذلك لانها تستعمل في قسمي التعليل- كما مر- خلافا لـ (كي) على ما سياتي في موضعها، وخلافا للحروف المعللة الاخرى اذ لا يستفهم بها عن الغرض ولا يستفهم باكثرها عن السبب، فيسأل مثلا: لم ضربت ابنك؟ فيجاب: للتاديب، وهذا هو الغرض من الضرب، او يجاب: لاساءته، فيذكر سبب الضرب.

(1) ينظر: التبيان في تفسير القران: 5/ 423، مجمع البيان: 11/ 87.

(2) الكشاف:2/ 641.

(3) ينظر البحر المحيط: 5/ 545.

(4) ينظر مباحث العلة: 351.

(5) هي قراءة حمزة، ينظر: الكشف عن وجوه القراءات: 1/ 351، النشر: 1/ 241.

(6) ينظر: الكشاف: 1/ 379، البحر المحيط: 2/ 511، مغني اللبيب: 1/ 230، معترك الاقران: 2/ 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت