الصفحة 24 من 179

هي الغاية المرادة والنتيجة المبتغاة، والسبب عامل مؤثر ومسبب [1] ، وعليه ان الاضلال غاية مرادة ونتيجة مبتغاة، والخوف من الشر عامل مؤثر في ايقاع الخروج وسبب له.

ونستطيع بناء على كل ما تقدم ان نجعل العلة قسمين: الغرض (العلة الغائية) والسبب.

والغرض: هو الامر المراد تحقيقه والباعث على ايقاع الفعل، وهو متقدم عليه في الذهن والتصور، متاخر عنه في الخارج.

والسبب: هو العامل المؤثر والمسبب، وهو متقدم - غالبا - على المسبب في الذهن والخارج.

ومن ثم فالغرض قد يكتنف سببين ومسببين، ذلك انك لو قلت: (جئت لا تعلم) فقد جعلت (التعلم) غرضا لك، فهو في الذهن سابق للمجيء، ومسبب له. والمجيء سابق للتعلم في الخارج ومسبب له؛ اذ انه يفضي اليه و (( ما يفضي إلى الشيء يكون علة له ) ) [2] .ولهذا قيل ان الغرض يكون (( بحسب تعقله عله للفعل(أي سببا له بمفهومنا) وبحسب وجوده في الخارج معلولا له )) [3] .

وتجدر الاشارة هنا الى ان انعام النظر في الغرض في مثل قولهم: (ضربته تاديبا) يكشف لنا ان التأديب في الخارج ليس متاخرا عن الضرب بل هو هو؛ اذ يحصل به حال حصوله، فاذا وقع الضرب وقع التاديب. والواقع ان المراد ليس التاديب وحده وانما هو التاديب وما هو اعمق منه، اعني اثره في المضروب، فالتاديب للضارب والتادب في المضروب. والثاني هو المتاخر عن الضرب في الخارج، فالغرض اذن هو التاديب متضمن التادب.

واحترزنا في تعريفنا بالسبب بقولنا: غالبًا، من انه قد لايتصف بكونه متقدمًا ذهنًا و خارجًا؛ اذ قد يكون مطلق الزمان، كقوله تعالى: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا} (يونس: 65) : وقوله عز وجل: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين} (البقرة: 168) وايضا قوله: {وما ابرئ نفسي ان النفس امارة بالسوء الا ما رحم ربي} (يوسف: 53) فكون العزة لله جميعا، وان الشيطان عدوّ لهم، وان النفس أمارة بالسوء، اسباب لما قبلها، وهي لا تختص هنا بزمن بعينه. ولعل مثل هذا السبب يكون - في الغالب - بـ (إنّ) وجملتها.

وبناء على هذا كله نحد التعليل بانه تبيين الغرض من ايقاع الفعل او سبب وقوعه. وهو على هذا يكون على قسمين: تعليل بالغرض وتعليل بالسبب، ففي الاول يعلل الفعل بان يذكر المراد من ايقاعه والباعث عليه، وفي الثاني يعلل بذكر المؤثر والمسبب له. وهذا يماثل قول بعض المحدثين بان ما يعلل الحدث - أي ما يفعل الحدث لاجله - قد يكون سببا لبروز الحدث وقد يكون غاية له. والتعليل قد يكون

(1) ينظر السببية والتعليل في التركيب الشرطي (بحث) : 11،18.

(2) البرهان: 4/ 347.

(3) شرح الرضي (الحاشية) : 1/ 192

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت