والاصوب ان ما وضح في اذهانهم هو معنى السببية ومعنى التعليل لا العلة والسبب؛ اذا انهم اطلقوا لفظ السببية او السبب الذي هو بمعناها على ما يفيد التعليل (ولهذا قالوا ان التعليل والسبب شيء واحد) ولم يطلقوا لفظ التعليل على ما يفيد السببية، فلم يطلقوا على فاء السببية: فاء التعليل، او على سببية التركيب الشرطي تعليلا. ولكن حروف التعليل قد يطلقون عليها مصطلحي السبب او السببية كما مر.
ثم ان نوعي العلة المشار اليهما يماثلان ما نقله الصبان عن الشيخ يحيى في تفريقه بين العلة والسبب، فالعلة عنده متاخرة في الوجود متقدمة في الذهن وهي العلة الغائية والغرض، اما السبب فهو متقدم ذهنا وخارجا [1] ، وهذا الاخير هو ما مثل له الزمخشري بـ (مخافة الشر) اذ ان الخوف من الشر سابق ومتقدم على الخروج من البلد في الذهن والتصور، وفي الوقوع والخارج، وهو الدافع الذي دفع الفاعل الى ايقاع فعله.
والغرض (العلة الغائية) مثلنا له بقوله تعالى: {وجعلوا لله اندادا ليضلوا عن سبيله} (ابراهيم:30) فالاضلال عن السبيل هو الغرض - كما ذكرنا - ووجوده في الخارج او وقوعه وتحققه متاخر عن ... (جعلهم اندادا لله) ، وهو - اعني الاضلال - سابق ومتقدم على (جعل الانداد) في الذهن والتصور، ذلك ان الاضلال هدف وغرض قد تصوروه في العقل والذهن ثم سعوا الى تحقيق مرادهم بان جعلوا لله اندادا، وهذا - على ظنهم - ما سيحققه لهم في الخارج والواقع.
ومن الجدير بالذكر هنا ان هذه العلة (الغرض، العلة الغائية) والسبب في هذا المذهب يماثلان ما وجدناه عند الفلاسفة، فقول الامام الغزالي ان العلة الغائية هي الباعثة اولا، المطلوب وجودها اخرا، ينطبق على الاية الكريمة؛ اذ ان (الاضلال) هو الباعث على (الجعل) وقد سبقه كما لاحظنا، وهو المطلوب وجوده وقد تاخر عن (الجعل) .
اما السبب وهو العلة الفاعلية عندهم، فقولهم بانها المؤثرة في المعلول الموجدة له، وقولهم انها تقدم المعلول في الوجود بالزمان، وقولهم بانها (( ما يوجد الشيء بسببه ) ) [2] ، وقول الكندي بانها مبتدأ حركة الشيء التي هي علته، ينطبق عليه. فالمثال المذكور سابقا (خرجت من البلد مخافة الشر) فيه ان الخوف من الشر (وهو السبب) هو المؤثر في المعلول (الخروج) والموجد له وهو- أي الخوف - سابق ومتقدم على الخروج في الوجود بالزمان، كما ان الخروج قد تسبب منه ابتداؤه؛ اذ هو ما يدفع اليه ويحركه، ولولاه لما شرع بالخروج. وهذا هو ما اطلق عليه الفلاسفة المحدثون: السبب ايضا، فتوافقت التسميتان.
ويقرب من هذا كثيرا تفريق بعض المحدثين من النحاة بين العلة والسبب، اذ ذهب الى ان العلة
(1) تنظر حاشية الصبان: 2/ 220. ولم نعثر على غيره بين النحاة قد صرح بهذا التفريق.
(2) التعريفات: 20.