الصفحة 21 من 179

وميدان بحث التعليل الذي نحن بصدده يختلف بعض الشيء عن ميادينهم تلك، ذلك ان كل فرد منا يدرك ان الفعل عندما يقع لابد له من فاعل قد احدثه ولهذا الفاعل دافع او غرض حمله على احداث فعله، وقد يعبر عن ذلك الدافع اوالغرض، فيعلل به - أي بالتعبير - احداث ذلك الفعل وايقاعه، كقوله تعالى: {وجعلوا لله اندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم الى النار ... } (ابراهيم:30) فأئمة الكفر قد اتخذوا الهة من دون الله من الملائكة والجن والانس، ولابد ان يكون لهم من وراء فعلهم هذا غرض يسعون لتحقيقه، او دافع دفعهم اليه، والاية الكريمة قد وضحت ذلك؛ اذ علل اتخاذهم الانداد بقوله {ليضلوا عن سبيله} وهو قصدهم وغرضهم من فعلهم. وكقوله عز وجل على لسان يوسف (- عليه السلام -) : {وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي} (يوسف:53) اذ نفى عليه السلام البراءة عن نفسه، وسبب نفيه هذا هو ان النفوس جميعا الا مار حم الله تامر بالسوء، لذا علل نفيه بذكر هذا السبب.

ونحن هنا سنبحث التعليل وطرائقه في مثل هذا التعبير وفي الاستعمال اللغوي عامة، على اننا لم نجد بين النحاة القدماء من حد التعليل بهذا المفهوم او عرف به بغير قولهم - في معرض احاديثهم - بانه بيان علة الشيء، وهذا هو المفهوم الاصطلاحي العام نفسه، وقيل ان التعليل: (( هو ان يريد المتكلم ذكر حكم واقع او متوقع فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة ان تقدم على المعلول ) ) [1] ، ومثل لذلك بقوله عز وجل: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم} (الانفال:68) اذ ان سبق الكتاب من الله علة النجاة من العذاب، وقوله تعالى: {ولولا رهطك لرجمناك} (هود:97) فوجود رهطه علة عدم رجم قومه له، وكقول البحتري:-

ولو لم تكن ساخطا لم اكن اذم الزمان واشكو الخطوبا [2]

فكون الممدوح ساخطا هو علة ذم الشاعر الزمان وشكواه الخطوب.

ولا نرى هذا الحد دقيقا مستوفيا جوانب التعليل، فكونه غير دقيق لان العلة وان كانت سابقة (وجودا وزمانا) على الحكم او المعلول وكون رتبتها متقدمة عليه فان هذا لا يستوجب ان تتقدم عليه ذكرا؛ اذ ان كثيرا ما تذكر العلة بعد معلولها كقوله تعالى: {فاخرج منها فانك رجيم} (الحجر:34،ص:7) وكقوليه عز وجل في ما مثلنا سابقا. واما كونه غير مستوف جوانب التعليل فسيظهر ذلك خلال البحث.

وبعض المحدثين عرفه بقوله: (( التعليل في النحو: ان يكون شيء سببا وعلة لشيء اخر، وهذا هو المعنى لحروف الجر التي يقال انها للتعليل وقد يكون ما بعد حروف الجر سببا لما قبله او العكس ) ) [3] . وهذا ايضا لا نراه دقيقا ولا مستوفيا كما سيتضح ذلك، على اننا نجد فيه ذكرا للسبب والعلة بعدهما بمعنى واحد،

(1) تحرير التحبير: 309، وينظر الكليات: 2/ 71.

(2) ديوان البحتري:1/ 152، تحرير التحبير: 310.

(3) الشامل: 324.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت