(للظاهرة اللغوية) ،وعن العلة القاصرة، وبحديثهم عن تعليل الحكم الواحد بعلتين [1] ،فكل هذا مما تحدث فيه الاصوليون. ثم ان ابن جني قسم العلة -كما مر- الى قسمين علة موجبة وعلة مجوّزة، والمجوزة هي السبب المجوز لوجود الشيء، وهذا تقسيم فقهي قال به الظاهريون ولم يعهده النحو [2] .وقد اشار ابن جني الى اعتماد النحويين على كتب الفقه في انتزاع العلل بقوله: (( وكذلك كتب محمد بن الحسن رحمه الله انما ينتزع اصحابنا منها العلل لانهم يجدونها منثورة في اثناء كلامه فيجمع بعضها الى بعض ) ) [3] . ولعل ابن جني اول من راى وضع اصول النحو على طريقة الاصول الفقهية والكلامية؛ اذ قال: (( وذلك انا لم نر احدا من علماء البلدين تعرض لعمل اصول النحو على مذهب اصول الكلام والفقه ) ) [4] .
وادرك ابن الانباري (ت577هـ) وجود الصلة بين النحو والفقه فقال: (( والحقنا بالعلوم الثمانية(يعني علوم الادب) علمين وضعناهما: علم الجدل في النحو وعلم اصول النحو فيعرف به القياس وتركيبه واقسامه من قياس العلة وقياس الشبه وقياس الطرد إلى غير ذلك على حد اصول الفقه فان بينهما من المناسبة ما لاخفاء به لان النحو معقول من منقول كما ان الفقه معقول من منقول )) [5] .
فمباحث العلة النحوية اذا محمولة على مباحث العلة الفقهية، قال السيوطي: (( واصول اللغة محمولة علىصول الشريعة ) ) [6] .
ثم ان سيادة مبدا التعليل في البحوث التي تناولتها الدراسات اللغوية والنحوية قديما يعد وجها بارزا لتاثير الفلسفة والمنطق في تلك الدراسات؛ اذ كان لابد للظاهرة اللغوية او النحوية من علة يعتل بها [7] .
ولعل من وجوه تاثر العلة النحوية بالعلة الفلسفية اشتراط النحاة فيها ان تكون موجبة للحكم في
المقيس عليه. وهذا هو الشرط الوحيد الذي اتفق العلماء على ضرورة اتصاف العلة به، وعليه فان للعلة في تصور النحاة تاثيرا؛ اذ تكون سابقة للقواعد ومؤثرة فيها معًا [8] وهذا انما يذكر بعلة الفلاسفة التي هي المؤثر في غيره.
ويبدو ان ما سبق او مثله كان مما دعا بعض المحدثين ليقول: (( جمعت العلة النحوية خصائص
(1) ينظر: الخصائص: 1/ 166، 169، 174 (على الترتيب) ، الاقتراح: 93، 89، 90 (على الترتيب) .
(2) ينظر النحو العربي: 128.
(3) الخصائص: 1/ 163.
(4) الخصائص: 1/ 2، وينظر النحو العربي: 126.
(5) الاقتراح:18.
(6) الاقتراح:69.
(7) ينظر في اصول اللغة والنحو: 131.
(8) ينظر: الاقتراح: 89، اصول التفكير النحوي: 191.