الصفحة 16 من 179

النحوية، التي اتسمت بالنضج الفكري والتوسع العلمي في دراسات القران الكريم، [1] فبعد ان كان التعليل طلبًا للفهم الذي ابتغاه الدارسون ومسوغًا لقواعد البحث للمتعلمين ومساعدًا لهم على استيعابه قد نمى بنماء الدراسات وجنح إلى التعقيد، فصار النحوي يحس بضرورة منطقة الظواهر والقواعد والعلل جميعًا، والعلل بعد ان كانت لا تؤثر على الموجود في اللغة والمقنن في القواعد صارت لا تتقيد بالموجود بالفعل في الظواهر اللغوية [2] .

اما العلة عند النحاة فهي عند الرماني (ت384هـ) : (( تغيير المعلول عما كان عليه ) ) [3] . وعند غيره: (( ما ينبغي ان يختار المتكلم عند حصول امر يناسبه وذلك الامر المناسب حكمه واثره لا بمعنى الموجب ) ) [4] . او هي ما يعتقد النحاة ان العرب لاحظته بان اختارت وجهًا معينًا من التعبير والصياغة في كلامها، ومثل هذا تعريف الدكتور مازن المبارك لها بانها (( الوصف الذي يكون مظنة وجه الحكمة في اتخاذ الحكم ) ) [5] .

واذا كانت العلة النحوية احد انواع (الجامع) الذي يجمع بين المقيس (الفرع) والمقيس عليه (الاصل) فقد عرفها الدكتور علي ابو المكارم بانها (( السبب الذي تحقق في المقيس عليه فاوجب له حكما، وتحقق في المقيس ايضا فأُلحق به فاخذ حكمه ) ) [6] .

والعلة هنا ليست كالسبب على ما يرى ابن جني (ت392هـ) لان العلة توجب الحكم ان لم يوجد مانع، والسبب يجوز معه الحكم؛ اذ قد يرد عليه مانع يؤدي إلى تخلف المسبب عنه، قال: (( اعلم ان اكثر العلل عندنا مبناها على الايجاب بها، كنصب الفضلة او ما شابه في اللفظ الفضلة ... وضرب اخر يسمى علة وانما هو في الحقيقة سبب يجوّز ولا يوجب. من ذلك الاسباب الستة الداعية إلى الامالة هي علة الجواز لا علة الوجوب الا ترى انه ليس في الدنيا امر يوجب الامالة لابد منها، وان كل محال لعلة من تلك الاسباب الستة لك ان تترك امالته مع وجودها فيه فهذه اذن علة الجواز لا علة الوجوب ) ) [7] . وبهذا يظهر لنا (( الفرق بين العلة والسبب، وان ما كان موجبا يسمى علة وما كان مجوزا يسمى سببا ) ) [8] ، ... (( ولعل

(1) ينظر العلة النحوية:76.

(2) ينظر: اصول التفكير النحوي: 190، تقويم الفكر النحوي: 227.

(3) رسائل في النحو واللغة (كتاب الحدود) : 38.

(4) دائرة المعارف للاعلمي: 22/ 38 - 139.

(5) النحو العربي:90.

(6) اصول التفكير النحوي: 111.

(7) الخصائص: 1/ 164.

(8) الاقتراح:86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت