على ان من علماء الاصول من يدخل الايماء في النص بناء على ان التعليل فيه يفهم من اللفظ التزاما. وعلى هذا يكون النص مقسما الى نص صريح (يشمل القسمين: القاطع والظاهر) وايماء.
ولهذه الاقسام مراتب في الدلالة على العلية قوة وضعفا، فالقاطع اقواها؛ اذ يدل عليها وضعا فلا يحتمل غيره، ودونه الظاهر لان حروفه قد تجيء لغير التعليل فنحتاج الى قرينة تجعلها ظاهرة فيه، فاللام قد تاتي للعاقبة، والباء للتعديه ... الخ.
والايماء دون ما سبق، لانه لا دلالة له على التعليل بالوضع بل بالالتزام [1] .
ومما تقدم يتبين ان بحث الاصوليين في تعليلهم مرتبط ارتباطا وثيقا بالبحث النحوي.
التعليل والعلة عند النحاة
يصلح تعريف بعض المحدثين للعلة النحوية ان يكون تعريفا للتعليل النحوي، قال: (( يراد بالعلة النحوية تفسير الظاهرة اللغوية، والنفوذ الى ما وراءها، وشرح الاسباب التي جعلتها على ما هي عليه، وكثيرا ما يتجاوز الحقائق اللغوية ويصل الى المحاكمة الذهنية الصرف ) ) [2] .
والتعليل في مراحله المتقدمة كان يتمثل في البحث عن الاسباب التي تكمن وراء الظاهرة اللغوية والقاعدة النحوية، وهو تعليل بسيط اذ كان بحثا على هامش تلك الظاهر والقواعد، فتعليل الخليل بن احمد (ت 175 هـ) مثلا كان بحثا خالصا عن السبب، والعلل عنده علل احتمالية غير مجزم بها [3] ، وقد يمكن - كما يرى هو رحمه الله - ايجاد علل غيرها اكثر صوابا وصحة منها؛ اذ (( سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو فقيل له: عن العرب اخذتها ام اخترعتها عن نفسها؟ فقال: ان العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله، وان لم ينقل ذلك عنها، واعتللت انا بما عندي انه علة لما عللته منه. فان اكن اصبت العلة فهو الذي التمست ... فان سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها ) ) [4] .
وتعليل سيبويه (ت 180 هـ) لم يكن (( اكثر من إلحاق الحكم النحوي بعلة يلقيها صاحبها باسلوب الاستاذ المقرر او العالم الواثق، فلا يتخيل ردًا عليه ) ) [5] . فكانت عنايته موجهة للنحو نفسه وليس للعلة من حيث هي، بخلاف كثير من النحويين من بعده، لذا عده بعض الدارسين خاتمة مرحلة من تاريخ العلة
(1) ينظر: شرح العضد: 2/ 234، فواتح الرحموت: 2/ 296، الكليات: 3/ 221 - 223، تعليل الاحكام: 156.
(2) اصول النحو العربي:108.
(3) اصول التفكير النحوي: 167، الدراسات النحوية واللغوية: 275.
(4) الايضاح في علل النحو: 65 - 66.
(5) النحو العربي:64.