الصفحة 158 من 179

تعالى؟ قلت: لما كان الضلال سببا للاذكار، والاذكار مسببا عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب منزلة الاخر لالتباسهما واتصالهما كانت ارادة الضلال المسبب عنه الاذكار ارادة للاذكار، فكانه قيل: ارادة ان تذكر احداهما الاخرى ان ضلت. ونظيرة قولهم: اعددت الخشبة ان يميل الحائط فادعمه، واعددت السلاح ان يجيء عدو فادفعه )) [1] .

ولا شك ان جعل الضلال غرضا او مرادا لله فيه وهن وبعد، فعلى الرغم من وضوح المعنى فان تقدير اللام او الاسم المحذوف على نية ان تجعل (ان) مصدرية يؤدي الى ان يسبك منها ومن الفعل (تضل) مصدرا مؤولا يوقع في الاشكال الذي افترضه سيبويه والزمخشري على لسان السائل. ومثل ذلك في الوهن والضعف تقدير (ان) بـ (لئلا) ؛ اذ يكون المعنى: (( ان سبب التذكير عدم الضلال؛ لان الضلال منفي، وكذا قولهم: اعددت هذه الخشبة لئلا يميل الحائط فادعمه بها، فان المعنى على ذلك ان الدعم عدم الميل: حتى اذا لم يمل دعمته، وهو عكس المعنى المراد ) ) [2] اذ ان (( استقصاء المعنى انما هو: اعددت هذا لان ان مال الحائط دعمته ) ) [3] . قال الزركشي: (( فان قيل: كيف يستقيم الطريقان - ويعني بالطريقين تقدير(لئلا) وتقدير الاسم المحذوف - في قوله: {ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى} ؟ فانك اذا قدرت: (لئلا تضل احداهما) لم يستقم عطف (فتذكر) عليه، وان قدرت: (حذار ان تضل احداهما) لم يستقم العطف ايضا؛ لانه لا يصح ان تكون الضلالة علة لشهادتهما.

قيل: بظهور المعنى يزول الاشكال، فان المقصود اذكار احداهما الاخرى اذا ضلت ونسيت؛ فلما كان الضلال سببا للاذكار جعل موضع العلة، تقول: (اعددت هذه الخشبة ان يميل الحائط فادعم بها) ، فانما اعددتها للدعم لا للميل، واعددت هذا الدواء ان امرض فاداوى به ونحوه )) [4] .

اقول: ان معنى الاية الكريمة والامثلة المشابهة لها جميعا واضح ظاهر جلي، الا ان التقدير - كما اشرنا - يجعل الحدث في الفعل التالي لـ (ان) مباشرة هو العلة ويحصره فيها، والحال ان العلة ليست امرا واحدا بل هي امر مرتبط باخر، فليست علة الاعداد دعم الحائط فقط لانه لو كان كذلك لفهم ان الحائط مائل والحال ان الجملة لا تعطي هذا المعنى. وليست العلة ميلانه اذ ان ما يفهم من الكلام ان الميلان غير حاصل والاعداد حاصل فلو كان الميلان علة لم يكن سببا لانه متاخر عن الاعداد، ولو كان غرضا لم يصح لانه ليس المراد من الاعداد ان يميل الحائط، فظهر بهذا ان الميلان وحده ليس علة الاعداد.

(1) الكشاف:1/ 326.

(2) معاني النحو: 3/ 330.

(3) المقتضب: 3/ 215.

(4) البرهان: 3/ 97 - 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت