الرفع [1] .من ذلك قوله تعالى: {واذن في الناس بالحج ياتوك رجالاوعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق} (الحج:27) فالفعل (ياتوك) مجزوم اذ انه جواب الامر الحاصل بالفعل (اذن) ،والا ذان المفهوم من الامر هو سبب اتيانهم؛ فهو اذا اذن تسبب من ذلك اتيانهم. وكذا قوله تعالى: {قالوا يا ابانا منع منا الكيل فارسل معنا اخانا نكتل وانا له لحافظون} (يوسف:13) فارسال اخيهم معهم سبب للاكتيال بعد ان ... منع منهم.
والتعليل هنا تعليل بالسبب؛ ذلك ان الجواب وهو المسبب متاخر ذهنا وخارجا عما قبله وهو السبب، كما هو واضح فيما تقدم، ويؤيده ان الطلب هنا فيه معنى الشرط، جاء في الكتاب: (( وزعم الخليل: ان هذه الاوائل كلها فيها معنى(إنْ) ، فلذلك انجزم الجواب؛ لانه اذا قال إئتني آتك فان معنى كلامه: ان يكن منك اتيان آتك. واذا قال: اين بيتك ازرك، فكانه قال: ان اعلم مكان بيتك ازرك. لان قوله اين بيتك يريد به: اعلمني. واذا قال: ليته عندنا يحدثنا، فان معنى هذا الكلام ان يكن عندنا يحدثنا، وهو يريد ههنا اذا تمنى ما اراد في الامر. واذا قال: لو نزلت فكانه قال انزل )) [2] .
والملاحظ هنا ان السبب ليس الطلب نفسه بل هو ما يتحقق منه، ففي ايةالحج (27) المتقدمة، ليس السببُ في اتيانهم الامرَ بالاذان بل هو ما يتحقق من الامر وهو الاذان نفسه، وكذا اية يوسف (63) فاكتيالهم مسبب عن ارساله معهم لا عن الامر بالارسال. ويصدق هذا على ما ورد في قول الخليل من امثله، فليست زيارته مسببة عن سؤاله عن مكان البيت بل عن معرفته مكانه، ولا تحدثه مسبب عن تمني وجوده عندهم بل عن الوجود نفسه. هذا شبيه بما رايناه في فاء السببية (علما ان من النحاة من يرى ان الفاء قبل الفعل حذفت فجزم) [3] ، الا انهما يختلفان اذا كان الطلب نهيا؛ فليس السبب قبل فاء السببية هو النهي نفسه ولا ما يتحقق منه، بل هو المنهي عنه، اما سبب جواب النهي المجزوم فعله فهو ما يتحقق من النهي؛ ولهذا صح ان تقول: (لا تعصِ الله يدخلك الجنة) ،ولم يصح: (لا تعصِ الله فيدخلك الجنة) ، كما صح ان يقال (لا تدن من الاسد فياكلك) ولم يصح (لا تدن من الاسد يأكلك) ؛ اذ ان الاكل مسبب عن الدنو وهو المنهي عنه، وهذا انما يكون قبل فاء السببية لا قبل الجواب المجزوم. قال سيبويه: (( فان قلت: لا تدنُ من الاسد ياكلك فهو قبيح ان جزمت، وليس وجه كلام الناس؛ لانك لا تريد ان تجعل تباعده من الاسد
سببا لاكله ... وان ادخلت الفاء فهو حسن، وذلك قولك: لا تدن منه فيأكلك )) [4] .
ومن ثم فان قوليك: لا تفعل كذا يكن الامر سهلا، لا تفعل كذا فيكون الامر سهلا، يصحان على اختلاف في المعنى والسبب، فكون الامر سهلا مسبب في الاولى عن عدم الفعل، ومسبب في الثانية عن
(1) ينظر: التراكيب اللغوية: 199 - 200، النحو الوافي: 4/ 387.
(2) الكتاب: 1/ 449.
(3) ينظر همع الهوامع: 4/ 131.
(4) الكتاب: 1/ 451.