الثاني: استلزام مشيئة الرفع للرفع؛ اذ المشيئة سبب والرفع مسبب )) [1] .
ثم ان ابن هشام قد قسم جملة (لو) الشرطية (اذاعقل ارتباط مناسب بين اجزائها) إلى ثلاثة اقسام: (( ما يوجب فيه الشرع او العقل انحصار مسببية الثاني في سببية الاول نحو: {ولو شئنا لرفعناه بها} (الاعراف:176) ونحو: (لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا) وهذا يلزم فيه من امتناع الاول امتناع الثاني قطعا. وما يوجب احدهما فيه عدم الانحصار المذكور، نحو (لو نام لانتفض وضوؤه) ونحو: (لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا) وهذا يلزم فيه من امتناع الاول امتناع الثاني ... ، وما يجوّز فيه العقل ذلك، نحو: (لو جاءني اكرمته) فان العقل يجوز انحصار سبب الاكرام في المجيء، ويرجحه ان ذلك هو الظاهر من ترتيب الثاني على الاول، وانه المتبادر الى الذهن )) [2] .
ورد بعض المحدثين القسم الثاني الى الاول وجعل المسبب منحصرا في السبب، قال فيه: (( انما يرد الى النوع الاول، اذا فهمت العلاقة السببية على ضوء [3] العلاقة بين جملتي الشرط والجواب، فقولنا:(لو نام فلان لانتقض وضوؤه) - الذي فسره ابن هشام بقوله ان عدم النوم لا يعني بالضرورة بقاء الوضوء- يمكن القول فيه: ان حدوث النوم ينقض الوضوء وانعدام النوم لا ينقضه، وان كان قد ينقض بسبب اخر، فالانحصار السببي اذًا قائم في المثال على ضوء هذا التفسير )) [4] .
اقول: ان ما يلاحظ في كلام ابن هشام انه بعيد - نوعا ما - عما تدل عليه (لو) الشرطية وجملتها، فهو لم ياخذ منها الا سببية الاول ومسببية الثاني، اما الانحصار السببي وعدمه، واللزوم - أي: لزوم امتناع الثاني من امتناع الاول- وعدمه، فهي امور عقلية ذهنية، وقد اشار هو الى ذلك بقوله: ما يوجب فيه الشرع او العقل، فلا يدل عليها التركيب الشرطي و (لو) ؛ اذ قد يفهم ذلك من نفس الجمل لو وضعت في تركيب شرطي لاداة اخرى غير (لو) ، كان يقال: (ان يشا الله يرفعه بها) و (ان تطلع الشمس يكن النهار موجودا) فالانحصار السببي، واللزوم يفهمان ن هاتين الجملتين كما فهما في جملتي (لو) ، الا ان الاخيرة تضيف معنى الامتناعية.
وكذا يقال في القسم الثاني، فلو قلت: (ان ينم فلان ينتقض وضوءه) و (ان تكن الشمس طالعة يكن الضوء موجودا) لفهم عدم الانحصار وعدم اللزوم، كما كان ذلك في (لو) .
اما من رد القسم الثاني الى الاول فمبنى كلامه على فهم العلاقة السببية في ضوء العلاقة بين جملتي الشرط والجواب على ما صرح به. وعليه لا يرد هذا القول على قول ابن هشام، لاختلاف مبنى الكلامين.
(1) البرهان: 4/ 363.
(2) مغني اللبيب: 1/ 285 - 286.
(3) الاصح ان يقال: في ضوء.
(4) السببية والتعليل في التركيب الشرطي (بحث) :14.