ان الرجوع انما يكون مستقبلا فهو غير واقع، ولا يعقل ان يكون ما سيقع في المستقبل بعينه سببا في ما يقع في الحاضر، فكان الادق ان يكون السبب هو ثبوت واستقرار الرجوع الى الله في قلوبهم، ولهذا حمله الرازي علىلعلم بالرجوع، قال: (( ثم انه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بانهم الى ربهم راجعون ) ) [1] ،وحمله ابو حيان على التوقع، قال: (( أي وجلة لاجل رجوعهم الى الله، أي خائفة لاجل ما يتوقعون من لقاء الجزاء ) ) [2] .وكلا المعنيين - اعني علمهم وتوقعهم - يدل على ثبوت معنى الرجوع في اذهانهم، وهذا الاخير انما توحي به (ان) ؛ اذ لايكون قريبا لو رفعت من التعليل وقلنا: قلوبهم وجلة لرجوعهم الى ربهم، او ليرجعوا الى ربهم.
وثبوت مضمون جملة (ان) واسقراره (وهو السبب) اما ان يكون في ذهن فاعل الفعل المعلل او في ذهن المتكلم، ففي (جئتك انك تريد المعروف) و (جئتك انك ستحتاج الي) فاعل الفعل المعلل (وهو المتكلم نفسه) قد ثبت واستقر في ذهنه كون المخاطب مريدا للمعروف وكونه سيحتاج اليه، فتسبب عنه المجيء. وكذا في اية الانبياء (95) المتقدمة: {وحرام على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون} اذ ثبت انهم لا يرجعون واستقر عند المحرم. وايضا اية يونس (65) المتقدمة: {ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا ... الاية} على فتح همزة (ان) ، فثبوت ان العزة لله جميعا عند الناهي عن الحزن قد حمله على النهي، ومثل ذلك يقال في الامثلة الاخرى.
على انه قد يحتمل ان يفيد المصدر المؤول من (ان وصلتها) اذا دل على الاستقبال في نحو: (جئتك انني ساكرمك) تعليلا بالغرض.
بقي ان (ان) قد تاتي بمعنى (لعل) ، وهي لغة فيها، كقول العرب: (ائت السوق انك تشتري لنا شيئا) ، أي: لعلك [3] . وقال الدماميني: (( انما يتم الاستدلال بذلك اذا ثبت ان العربي المتكلم بهذا الكلام قصد الترجي، والا فاللفظ محتمل لارادة التعليل على حذف اللام، أي: لانك تشتري ) ) [4] . ولو اخذنا بافادة اللفظ للتعليل فانه لا يكون على تقدير اللام اذ لا يستقيم ان تقول: ائت السوق لانك تشتري لنا شيئا؛ ذلك ان المصدر المؤول من (ان وصلتها) هنا يدل على الحال، اذ ان الشراء واقع في الوقت الحاضر، وهذا يناقض قولك: ائت السوق، اذ ان اتيان السوق مأمور به ووقوعه لذلك يكون في زمن مستقبل، فكيف يقع الشراء ولم يقع الاتيان الى السوق؟ فظهر به ان تقدير اللام لا يستوي عليه الكلام.
(1) التفسير الكبير:23/ 108.
(2) البحر المحيط:6/ 410.
(3) ينظر: الكتاب 1/ 463، الجنى الداني: 396، مغني اللبيب: 1/ 40.
(4) شرح الدماميني:1/ 87.