المؤول على الزمن الماضي وكان السبب عندئذ متقدم في الذهن والخارج كان تقول: عاقبته انه اساء الي، فالاساءة حاصلة في الماضي وهي سبب المعاقبة وقد تقدمت عليها في الذهن والخارج. ومنه اية النمل (43) المتقدمة (بفتح همزة ان) : {انها كانت من قوم كافرين} .
ولو كان جملة فعلية فعلها مضارع دل المصدر المؤول على الحال، كقولهم: جئتك انك تريد المعروف، ومنه اية الانبياء (95) المتقدمة (بفتح همزة ان) : {انهم لا يرجعون} ، فـ (انك تريد المعروف) و (انهم لا يرجعون) يدلان على الحال، وقد يحتمل هذا الدلالة على الاستمرار او الثبوت. كما قد يدل المصدر المؤول في هذا القسم على الاستقبال فحسب، كان يقال (جئتك انك ستحتاج الي) .
اما لو كان الخبر اسما او شبه جملة فان المصدر المؤول يدل علىمطلق الزمن كقوله تعالى: {ولا يحزنك قولهم ان العزة لله جميعا وهو السميع العليم} (يونس:65) على قراءة الفتح [1] ؛اذ (( خرجت هذه القراءة على التعليل، أي: لا يقع منك حزنا لما يقولون لاجل ان العزة لله جميعا ) ) [2] فكون العزة لله جميعا سبب في النهي عن الحزن (وليس غرضا) ، وعزته (- سبحانه وتعالى -) غير مقيدة بزمن بعينة. ومثل ذلك ايضا قوله تبارك وتعالى: {انا كنا من قبل ندعوه انه هو البر الرحيم} (الطور:28) على قراءة الفتح ايضا [3] ، وقوله تعالى: {وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله احدا} (الجن:18) .وقد تكون دلالته على غير ذلك كقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم انهم مسؤولون} (الصافات:22 - 24) على قراءة الفتح كذلك [4] ،أي: لانه [5] .فكونهم مسؤولون سبب للامر بالوقوف وهو ليس ماضيا ولا لمطلق الزمان.
ولعل ما سوغ ان يكون المصدر المؤول في ما تقدم سببا على الرغم من تباين دلالته علىلزمن هو ان ثبوت واستقرار مضمون جملة (ان) في الذهن - ذلك ان (ان) تفيد التوكيد والتحقيق وتضفي معنى الثبوت والاستقرار على جملتها [6] - هو السابق والمتقدم على الفعل المعلل، كقوله تعالى: {والذين يؤتون ما اتوا وقلوبهم وجلة انهم الى ربهم راجعون} (المؤمنون:60) فقد صرح بعض المفسرين بان التقدير: (( لانهم، أي سبب الوجل الرجوع الى ربهم ) ) [7] ،وليس دقيقا ان يكون رجوعهم الى ربهم سبب الوجل؛ ذلك
(1) هي قراءة ابن حيوة، ينظر: الكشاف:2/ 357،البحر الميحط:5/ 176.
(2) البحر المحيط:5/ 176.
(3) هي قراءة نافع والكسائي، ينظر الكشف عن وجوه القراءات:1/ 351
(4) هي قراءة عيسى بن عمر، ينظر: الجامعة لاحكام القران:15/ 73،البحرالمحيط:7/ 356.
(5) ينظر: الجامع لاحكام القران:15/ 73.
(6) ينظر شرح المفصل: 8/ 77.
(7) الفتوحات الالهية: 3/ 196.