وقد ياتي المصدر المؤول من (ان وصلتها) معللا ما قبله كما كان ذلك في المصدر الصريح وفي المصدر المؤول من (ان وصلتها) وهو على تقدير اللام ايضا فـ (( تقول: جئتك انك تريد المعروف، انما اراد: جئتك لانك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر اذا قلت:
واغفر عوراء الكريم ادخاره واعرض عن شتم اللئيم تكرما
أي: لادخاره )) [1] . فعلة مجيء المتكلم هي كون المخاطب مريدا المعروف كما كان ادخار الكريم علة غفران عورائه (مع وجود الفرق في نوع التعليل بينهما على ما سياتي) ، ومن ثم فان موضع المصدر المؤول من (ان صلتها) هو موضع المفعول له، قال سيبويه: (( وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: {وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون} (المؤمنون:52) فقال: انما هو على حذف اللام، كانه قال: ولان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون. وقال: ونظيرها: {ايلاف قريش} (قريش:1) لانه انما هو لذلك فليعبدوا. فان حذفت اللام من (ان) فهو نصب، كما انك لو حذفت اللام من لايلاف كان نصبا. هذا هو قول الخليل (( [2] .
ومن ذاك قوله تعالى: {وحرام على قرية اهلكناها انهم لا يرجعون} (الانبياء:95) اذا قدر محذوف لـ (حرام) فبعده مبتدا يكون خبره محذوفا، أي: قبول اعمالهم، وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول، وبعده خبرا يكون مبتدا محذوفا، أي: والعمل الصالح حرام عليهم، ودليل المحذوف ما تقدم عليه من قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} (الانبياء:94) فيكون (انهم لا يرجعون) تعليل للتحريم على تقدير اللام [3] .
ويحتمل ذلك قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله انها كانت من قوم كافرين} (النمل:43) على قراءة الفتح [4] - على احد قولين - اذ المعنى: لانها كانت [5] .
والذي يظهر لنا من التعليل المستفاد من (ان وصلتها) انه تعليل بالسبب؛ ذلك ان الفعل المعلل يكون سببه مضمون (ان واسمها وخبرها) ولا يكون هذا غرضا، ففي الامثلة المتقدمة، كونك تريد المعروف سبب للمجيء، وعدم رجوعهم عن الكفر سبب في تحريم او امتناع قبول اعمالهم، وان كونها من قوم كافرين سبب لصد ما كانت تعبد من دون الله لها.
وهذا السبب-بالمصدر المؤول من (ان) وصلتها - مما لا يشترط فيه التقدم في الذهن والخارج؛ ذلك ان الدلالة الزمنية للمصدر المؤول تاتيه من خبر (ان) فلو كان جملة فعلية فعلها ماض دل المصدر
(1) الكتاب:1/ 464.
(2) المصدر نفسه.
(3) ينظر: الكشاف:3/ 134، مغني اللبيب:1/ 279.
(4) هي قراءة سعيد بن جبير وابن ابي عيلة، ينظر الكشاف:3/ 370،البحر المحيط:7/ 79.
(5) ينظر الكشاف: 2/ 357.