فـ (ان) اذا تفيد تعليلا لا تفيده (كي) ولا تفيده اللام عند دخولها على الفعل المضارع، وكنا قد قررنا ان اللام اذا دخلت على المضارع افادت تعليلا بالغرض فحسب، فلم يصح وقوعها موقع (ان) هنا.
وفضلا عما تقدم قد تفيد (ان) تعليلا بالغرض عند دخولها على (علة مركبة) كقوله تعالى: {فان لم يكونا رجلين فرجل وامراتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الاخرى} (البقرة:282) وسياتي الكلام عليه في موضعه [1] .
نخلص من كل ما تقدم الى ان (ان) تدخل على الفعل الماضي وعلى الفعل المضارع لافادة التعليل، فعند دخولها على الفعل الماضي يكون التعليل بالمصدر وهو تعليل بالسبب.
وعند دخولها على المضارع تكون فيه ثلاثة احوال:
اولها: ان يكون ما بعدها معكوس ما يتسبب مما قبلها، والتعليل فيه تعليل بالغرض على راي الكوفيين وهو تعليل بـ (ان) اذ تكون بمعنى (لئلا) وهذا ما رجحنا، وعلى راي البصريين يكون تعليلا بالسبب و (ان) فيه مصدرية.
ثانيها: ان لا يكون ما بعدها كالاول، وهو اما ان يكون مستقبلا محضا وعندئذ يكون التعليل بالمصدر المؤول وهو تعليل بالغرض. او ان يكون غير ذلك وعندئذ يكون التعليل بـ (ان) وهو تعليل بالسبب.
ثالثها: ان يكون ما بعدها علة مركبة، وعندئذ تفيد (ان) تعليلا بالغرض.
ورب سائل يرى ان (ان) -في التعليل بالسبب - اذا دخلت على الفعل الماضي لا يجوز الاستغناء عنها عند تقدير اللام، والفعل معها لا يدل على الاستقبال كما هو الامر مع (ان) الداخلة على المضارع اذ لا يستغنى عن (ان) ولا يتمحض المضارع للاستقبال، فيسال: لم لم تجعل (ان) الداخلة على الماضي مفيدة للتعليل كالداخلة على المضارع في التعليل بالسبب؟
والجواب: ان لام التعليل دخولها على الفعل المضارع سواء اذكرت (ان) ام لم تذكر، فلما كان المعنى بذكرها غير المعنى بعدمه - كما بينا - قلنا انها افادت التعليل، بخلاف الفعل الماضي اذا لا يصح دخول اللام عليه من دون ان تذكر (ان) ، وفضلا عن ذلك ان الفعل الماضي قبل ان يسبك منه ومن (ان) المصدر المؤول دال على الحدوث في الماضي وهو باق على دلالته عند السبك، فدخول (ان) لم يغيره ولم يحدد فيه شيئا كما كان ذلك في الاولى.
2 -التعليل بالمصدر المؤول من (أنّ واسمها وخبرها) والتعليل بـ (أنّ)
(ان) المفتوحة الهمزة الساكنة النون حرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقد نص النحويون على انها تفيد التوكيد واستشكله بعضهم، وهي حرف مصدري اذ تكون مع اسمها وخبرها في تاويل مصدر [2] .
(1) ينظر الفصل الثالث صفحة ( ... ) من هذا البحث.
(2) ينظر: الجنى الداني: 387، مغني اللبيب: 1/ 39.