الصفحة 129 من 179

تعليل لاتباع الهوى لا للنهي عنه، وعليه يحتمل المعنى ان يقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا عن الحق او كي تعدلوا عن الحق وهو تعليل لاتباع الهوى ايضا. وقد يصح ان يقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا بين الناس او كي تعدلوا بين الناس فيكون هذا تعليلا للنهي عن اتباع الهوى، وعلى هذا المعنى قول الرازي (ت 606هـ) : (( اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل وتحقيق الكلام ان العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ومن ترك احد النقيضين فقد حصل له الاخر، فتقدير الاية: فلا تتبعوا الهوى لاجل ان تعدلوا، يعني اتركوا متابعة الهوى لاجل ان تعدلوا ) ) [1] .

واما التعليل بالسبب فكقوله عز وجل: {أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله} (غافر:28) وقوله: {يخرجون الرسول واياكم ان تؤمنوا بالله ربكم} (الممتحنة:1) وقوله: {وتولوا واعينهم تفيض من الدمع حزنا الا يجدوا ما ينفقون} (التوبة:92) ، ففي الاية الاولى يتسبب قتل الرجل من قوله ربي الله، والسبب لابد ان يسبق المسبب، وعليه ان القول اسبق من القتل وجودا. وفي الاية الثانية يسبب ايمان المؤمنين اخراج الرسول واياهم، فالايمان (وهو السبب) سابق للاخراج (وهو المسبب) في الوجود، وكذا في الاية الثالثة فسبب الحزن عدم ايجادهم ما ينفقون وهذا الاخير سابق للحزن ايضا في الوجود.

والملاحظ هنا ان (ان) ليست كـ (ان) في التعليل بالغرض، فهي هنا لا تنص على استقبال الفعل بعدها، قال الدكتور فاضل السامرائي: (( يمكن ان يقال ان اغلب ما ذكرنا من الامثلة(والايات الثلاثة المتقدمة مما مثل) يفيد الاستمرار الذي منه الاستقبال فتكون (يعني(ان ) )دلت على الاستقبال ضمنا لا تنصيصا، ولا ينطبق هذا على نحو قوله تعالى: {الا يجدوا ما ينفقون} فيما احسب فان هؤلاء قد يجدون في الاستقبال ما ينفقون )) [2] .

فضلا عن ذلك لا يمكن ابدال اللام و (كي) بها على ارادة نفس المعنى [3] ، كما كان ذلك في سابقتها، فلا يقال: اتقتلون رجلا ليقول ربي الله او كي يقول، ولا يقال: يخرجون الرسول واياكم لتؤمنوا بالله او كي تؤمنوا، ولا يقال ايضا: حزنا لكي لا يجدوا ما ينفقون، و (ان) هنا عندهم مضمرة بعد اللام. فالمعنى بـ (ان) غير المعنى بالام و (كي) ، فبان يكون (القول) حاصلا حين (القتل) ، و (الايمان بالله) حين (الاخراج) كذلك، و (عدم ايجاد ما ينفق) حين الحزن مثلهما، وباللام و (كي) يكون ما بعدها غير حاصل اذ هو غرض لما قبلها، فيقتل الرجل لكي يقول ربي الله، واخراج الرسول والمخاطبين غرضه ان يؤمن هؤلاء بالله، كما ان الغرض من الحزن هو عدم ايجاد ما ينفق، وليست هذه معاني مرادة، وهي غير مفهومة لو ان التعليل كان بـ (ان) .

(1) التفسير الكبير: 11/ 74.

(2) معاني النحو: 3/ 151.

(3) ينظر معاني النحو: 2/ 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت