الصفحة 127 من 179

متقدمان في الذهن على الفعل المعلل، متاخران عنه في الخارج. على ان القول باضمار اللام و (لا) النافية رده ابن هشام بان فيه تعسفا [1] .

ومن هذا القسم قوله تعالى: {يبين الله لكم ان تضلوا} (النساء:176) وقول الشاعر:-

نزلتم منزلا الاضياف منا فعجلنا القرى ان تشتمونا [2]

فتقدير الاية على القول الاول: كراهة ان تضلوا، وتقدير البيت: مخافة ان تشتمونا. وعلى الثاني تقدير الاية: لئلا تضلوا، والبيت: لئلا تشتمونا.

اقول: من جميع ما تقدم يظهر لنا ان (ان والفعل) عندما يدلان على العلة قد تكون هذه العلة امرا غير مراد من ايقاع الفعل، بل المراد تجنبه وهو منفي في المعنى، فيقدر البصريون اسما محذوفا هو (المفعول له) في الاصل، ويقدر الكوفيون لـ (ان) معنى (لئلا) .او قد تكون العلة غير ذلك فتقدر اللام عندئذ قبل (ان) ، او - على راي قوم - تكون (ان) فيه بمعنى (اذ) كما سياتي.

فالعلة الاولى يكون التعليل بذكرها تعليلا بالسبب على تقدير البصريين كما اشرنا، وعندئذ تكون (ان) مصدرية وليس لها الا هذا المعنى؛ فالتعليل يكون حاصلا بالمصدر المؤول الذي اقيم مقام المفعول له المحذوف. ويكون التعليل بهذه تعليلا بالغرض على تقدير الكوفيين وهو حاصل بـ (ان) نفسها اذ انها تكون بمعنى (لئلا) فتحمل معنى اللام وهو التعليل وتحمل معنى (لا) وهو النفي، وانما يفهم هذا المعنى الاخير (النفي) لكون معنى الفعل بعد (ان) هو معكوس ما يتسبب عن الفعل قبلها، لذا كان الغرض مما قبلها نفي حصول العلة بعدها.

وفي النفس ميل لراي الكوفيين، ذلك ان الغرض من ذكر (ان والفعل) في الجملة هو التعليل وهذا على تقديرهم يكون مفهوما من (ان) وهي ظاهرة، وهذا قريب. بخلاف ما لو قيل ان المفعول له محذوف، فيكون التعليل به او بما ناب عنه، وقد يكون بلام مقدرة في المحذوف، وهذا بعيد. وقد يؤيدنا ان (ان) قد تفيد تعليلا في غير هذا الموضع كما سياتي.

وايا كان الامر فان دخول (ان) على الفعل في مثل هذه المواضع يفهم منه التعليل وان تجنب معنى الفعل - بعد (ان) - او معنى المصدر هو العلة.

اما العلة الاخرى-اعني التي لا تكون معكوس ما يتسبب عما قبل (ان) - فتقدر معها اللام المعللة كما مر، وكقوله تعالى: {الم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه ان اتاه الله الملك} (البقرة:258) أي: لان اتاه الله الملك، وقوله: {انا نطمع ان يغفر لنا خطايانا ان كنا اول المؤمنين} (الشعراء:51) أي: لان كنا. وكذا قوله

(1) ينظر: مغني اللبيب: 1/ 35.

(2) شرح القصائد العشر:423،مغني اللبيب: 1/ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت