الصفحة 126 من 179

تعليلا بالسبب كما في آية المائدة (2) المتقدمة: {ولا يجر منكم شنان قوم ان صدوكم ... الاية} فالصد عن المسجد الحرام سبب للشنآن. وكذا اية يوسف (66) المتقدمة: {لتأتنني به الا ان يحاط بكم} اذ ان امتناع الاتيان يتسبب عن الاحاطة بهم فليست الاحاطة بهم غرضا لاتيانهم به.

ولعل المصدر المؤول المعلل اذا كان فعله ماضيا تعين ان يكون تعليله تعليلا بالسبب؛ ذلك ان زمنه عندئذ يكون ماضيا، وهو كذلك بالنسبة للفعل المعلل، لذا فهو متقدم عليه، وما دام امره كذلك لا يصلح ان يكون غرضا له، ففي ايتي عبس: {عبس وتولى * ان جاءه الاعمى} (1 - 2) مجيء الاعمى سبب للعبوس (او التولي) وفي اية ق: {بل عجبوا ان جاءهم منذر منهم} (2) مجيء منذر منهم سبب العجب.

اما قولك: (لا تفعل كذا وكذا ان يصيبك امر تكرهه) ومثله: (ربطت الفرس ان تنفلت) فواضح فيهما ان تعليل المصدر المؤول - على الظاهر - ليس تعليلا بالسبب، اذ ليس سبب النهي عن الفعل انه اصيب بامر يكرهه، ولا سبب ربط الفرس انها انفلتت. كما ان المصدر المؤول فيهما - على الظاهر - ليس غرضا للفعل المعلل، فليس الغرض من نهيه ان يصيبه امر يكرهه، ولا الغرض من ربط الفرس ان تنفلت.

والواضح فيهما ايضا ان علة النهي عن الفعل هو ان لا يصيبه امر يكرهه، وعلة ربط الفرس هو ان لاتنفلت. فتبين ان المراد من الجملة نقيض الظاهر، ومعنى المصدر هو معكوس ما يؤدي اليه الفعل المعلل، فالانتهاء عن الفعل لا يؤدي الى الاصابة بامر مكروه بل الى عدم الاصابة به، وربط الفرس لا يؤدي اى انفلاته بل الى عدم انفلاته، وهذا المعنى حمل النحاة على تاويل ما ورد مماثلا لهذين المثالين مرة بتقدير اسم يفهم ان المعنى المذكور غير مراد من ايقاع الفعل، وكونه غير مراد هو علة الفعل المعلل. ومرة بتقدير معنى لـ (ان) ينفي ما بعدها، والمعنى المنفي هو غرض الفعل المعلل.

ذلك ان البصريين ذهبوا الى ان المصدر المؤول مضاف الى اسم محذوف هو المفعول له وقدروه بـ (مخافة) او (كراهة) او غير ذلك مما يستقيم به المعنى. وعليه فتقدير المثالين: لا تفعل كذا مخافة ان يصيبك امر تكرهه، ربطت الفرس مخافة ان تنفلت. وعلى هذا التقدير يكون التعليل تعليلا بالسبب؛ اذا الخوف متقدم على الفعل المعلل وهو الحامل عليه. وهذا الذي يفهم ان المعنى المذكور (الاصابة او الانفلات) غير مرادين اذ انهما مخوف منهما.

والكوفيون ذهبوا الى ان (ان) بمعنى (لئلا) والتقدير: لا تفعل كذا لئلا يصيبك امر تكرهه، ربطت الفرس لئلا تنقلت.

وقيل ان ذلك على اضمار اللام قبل (ان) واضمار (لا) بعدها [1] .

وعلى التقديرين الاخيرين يكون التعليل تعليلا بالغرض؛ اذ ان عدم الاصابة وعدم الانفلات

(1) ينظر: رصف المباني: 117 - 118، الجنى الداني 242، مغني اللبيب:1/ 35، البرهان:3/ 97،4/ 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت