للمفعول المطلق معاني ليس منها ذلك، فهو يأتي للتوكيد لو بيان النوع او العدد. اما الحال فيكون مبينا للهيئة ومؤكدا. وعليه فلكل من هذه المنصوبات الثلاثة معنى مغايرا للاخرين، على انه يصح في المصدر المنصوب احيانا ان يقدر بالمفعول له او بالمفعول المطلق او بالحال على اختلاف في المعنى، فقولك: (جئتك اكراما لك) اذا قدرته (لاكرمك) كان مفعولا له، واذا قدرته (اكرمتك اكراما) كان مفعولا مطلقا، واذا قدرته (مكرما) كان حالا، ولكل معناه [1] .
فضلا عن ذلك قد يعطف المصدر المنصوب الجامع للشروط على علة صريحة (ولابد ان ما يعطف على العلة يحمل معنى العلية) قال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين امنوا وهدى وبشرى للمسلمين} (النحل:10) فبينت لام التعليل في (ليثبت) ان ما بعدها هو علة التنزيل وعطف عليه (هدى وبشرى للمسلمين) فتحتم ان يكونا علة كذلك، ولا يحتمل تقديرهما بالمفعول المطلق او بالحال لانهما سيعطفان عندئذ على (ليثبت) وهو يفيد التعليل ولا يصح ان يعطف المفعول المطلق على غير المفعول المطلق ولا ان يعطف الحال على غير الحال، ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى: {وما انزلنا عليك الكتاب الا لنبين لهم الذي اختلفوا فيه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ... } (النحل:64) [2] .
ثم ان القول بان المصدر الجامع للشروط مفعول مطلق - وهو راي الكوفيين - (( يفضي الى اخراج الافعال من معانيها الى معان قد تكون بعيدة عنها من دون موجب وذلك نحو قولنا:(قلت ذاك خوفا منه) فيكون القول عندهم بمعنى الخوف في حين ان القول حسي والخوف قلبي، ... ونحو قوله تعالى: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} (الرعد:12) فتكون رؤية البرق بمعنى الخوف والطمع.
ويفضي هذا الراي الى ان يكون للفعل الواحد معان متعددة متناقضة وذلك نحو: (قلت هذا خوفا منك) و (قلت هذا اظهارا للحق) و (قلت هذا اكراما له) و (قلت هذا تحقيرا له) ... وغير ذلك فيكون معنى (قلت) على هذا: خفت واظهرت الحق واكرمت وحقرت ... وغير ذلك وهي معان متعددة متغايرة ولا موجب لهذا كله )) [3] .
فرق التعليل بين المفعول له واللام
تبين لنا في ما تقدم ان المفعول له يفيد التعليل بالغرض وبالسبب، وبانه اذا استكمل شروطه جاز ان يجر باللام (او بغيرها من الحروف المعللة) ، واذا فقد شرطا وجب الجر، وذكرنا قبلا ان اللام تفيد التعليل بالغرض وبالسبب كذلك، فهل هناك فرق في التعليل بهما؟ هل هناك فرق مثلا بين ان يقال: (جئت
(1) ينظر معاني النحو:2/ 651.
(2) المصدر نفسه.
(3) معاني النحو:2/ 652.