فعندما يفسر ويوضح معنى الجملة يضعه بعد لفظ (أي) او (المعنى) ويقدر حرف اللام، فقال: (أي: لحذر الشر) ، (المعنى: اغفر عوراء الكريم لادخاره) و (المعنى: يفعلون ذلك لحذر الموت) و ... (المعنى: ومن يفعل ذلك لابتغاء مرضاة الله) فيتضح به ان المصدر بمعنى اللام وهو مفعول له. واما عندما يريد ان يبين ناصب المصدر فانه يؤول مضمون ما قبله بفعل من لفظه مقربا اياه بلفظ (كانك قلت او كانه قال او ما شابه) ، فقوله مثلا: كانك قلت يحذرون حذرا، اراد به ان (يحذرون) هو تاويل ما قبل المصدر ومضمونه، لذلك علله بقوله (لان جعلهم اصابعهم في اذانهم من الصواعق يدل على حذرهم الموت) ، اما ذكره (حذرا) فليدل به على ان المفعول المطلق (حذرا) منصوب بـ (يحذرون) وشابهه المفعول له في الاية بان ناصبه (يحذرون) المفهوم مما قبله، ولم يرد بذكر المصدر (حذرا) هنا معناه، ولهذا قال قبله (وليس نصبه لسقوط اللام وانما نصبه انه في تاويل المصدر) . ومثل هذا نلحظ في قوله الثالث على اية النساء (114) .فيظهر بذلك ان ذكره للفعل ومصدره بعد لفظ (كان) لا يريد به الا توضيح ناصب المفعول له.
ومن ثم يظهر خطا مبنى قول القائل: (( الظاهر من قوله(يحذرون حذرا) ان حذرا لتوكيد حذر في الفعل المقدر، والحق ان معنى المفعول المطلق في حذر لا يصلح في الاية القرانية، فان تكلفنا ذلك وقدرنا على ما قدر فقلنا: (يجعلون اصابعهم في اذانهم يحذرون حذرا) او جعلناه للبيان وقلنا: (يحذرون حذر الموت) لا يستقيم المعنى ولا يتعقل )) [1] ، اذ لا موجب لتكلف هذا التقدير، ولم يعنه الزجاج ولم يقدره في هذه الاية (وغيرها) مع وجود الفعل المتقدم عليه.
ولعل التعقيد الظاهر في مذهب الزجاج هو الذي ادى الى الاختلاف في النقل عنه، فكون المفعول له عنده على المعنى اللام جعلهم يقولون ان مذهبه مذهب سيبويه تضاف اليه موافقته لهم احيانا. وقوله بانه منصوب بتاويل المصدر وان ما قبله كمعناه جعلهم يقولون انه يذهب الى ان المفعول له مفعول مطلق.
اما الجرمي فعنده ان المفعول له ينتصب نصب المصادر التي تكون حالا، فيقدر قوله تعالى: {حذر الموت} محاذرين الموت [2] .
ومن ثم فان المصدر الجامع للشروط - تبعا لتلك المذاهب -اما ان يكون مفعولا له يؤتى به لبيان علة الحدث، او هو مفعول مطلق، او على معنى الحال. والذي يظهر ان المذهب الاول اكثر رجحانا ودقة واقرب الى الصواب، ذلك ان المفعول له يصح ان يقع جوابا عن السؤال عن العلة بـ (لم) اذ انه على تقدير اللام، قال تعالى: {واذ قالت امة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديدا؟ قالوا معذرة الى ربكم} (الاعراف:164) فاجيب عن السؤال بـ (لم) بالمفعول له (معذرة) فبين العلة. في حين ان
(1) النحو واللمحات الادبية (بحث) : 28.
(2) ينظر شرح الرضي:1 - 192.