الصفحة 119 من 179

وهو بذلك يوافق البصريين في تسمية المفعول له وفي معناه، وخالفهم في ان نصبه على المصدرية لا على اسقاط حرف الجر، بل وافقهم احيانا في هذا الاخير ايضا في قوله في الاية الكريمة: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} (التوبه: 107) قال: (( انتصب(ضرارا) مفعولا له، المعنى: اتخذوا للضرار والكفر والتفريق والارصاد، فلما حذفت اللام افضى الفعل فنصب )) [1] .

ونجد بين المحدثين من اخذ على الزجاج جعله المفعول له على معنى اللام ونصبه على المصدرية بان فيه تعارضا ظاهرا، ذلك ان كونه على معنى اللام يوجب ان يكون نصبه على هذا المعنى، اذ النصب علامة على المعنى المراد، فينتصب على المفعول له، وجعله الناصب له كونه في تاويل مصدر يوجب ان ينفي عنه معنى المفعول له ويثبت له معنى المفعول المطلق [2] .

ونحن اذ نعتقد بتعارض قول الزجاج، لا نؤيد بانه يفترض وجود فعل مضمر من لفظ المصدر قد حذف، يدل على ذلك قوله بان (اغفر عوراء الكريم) معناه: ادخر الكريم، وان (اعرض عن شتم اللئيم) معناه: اتكرم على اللئيم، وان (جعلهم اصابعهم في اذانهم) يدل على حذرهم الموت، فما قبل المصدر في هذا كله يتضمن معناه تضمنا، وقد نلمح اشارة الى مثل هذا في قول عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) : ... (( ان شرط المنصوب على انه مفعول له ان يكون شيئا يشتمل الفعل المعلل به على معناه حتى يصح ان يقال: ان هذا الفعل ذلك الفعل، وانه داخل في ضمنه وانك اذا فعلت هذا فقد فعلت ذلك، كقولك: ضربته تقويما له، الا ترى انه يستقيم ان تقول: تقويمة ضربه، وتقويمة في ضربه، وانك اذا ضربته فقد قومته ... ثم قال في(قعد عن الحرب جبنا) :ان القعود عن الحرب جبن في المعنى كما ان الضرب تقويم في المعنى. ويقال ما المعنى في قعوده؟ فتقول: الجبن، كما يقال: ما المعنى في ضربه؟ فتقول: التقويم )) [3] .وما دام ما قبل المصدر متضمن معناه فقد اغنى عن افتراض اضمار فعل اخر.

ومن ثم فاننا نذهب الى ان الزجاج يرى ان المفعول له منصوب بمضمون الجملة المتقدمة عليه، فهي بمعنى فعل من لفظه او بتعبير اخر: بما يؤول من مضمون ما قبله من فعل من لفظه؛ اذ ان مضمون الجملة قبله كمعناه، فشابه بذلك نصب المصدر (المفعول المطلق النوعي) المنتصب بفعل بمعناه. ويدل على ذلك ما جاء في ما تقدم من اقواله، فهو في كل مرة يفسر ويوضح - اولا - معنى الجملة ليبين معنى المصدر وهو كونه مفعولا له، و- ثانيا- بعدها يؤول ما قبل المصدر ليبين ناصب المصدر.

(1) معاني القران واعرابه: 2/ 468.

(2) ينظر النحو واللمحات الادبية (بحث) : 28.

(3) المقتصد: 1/ 667 - 668.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت