ثم ان اجتماع ما ذكرنا في الاسم لا يوجب نصبه بل يجيزه ويجيز الجر على اختلاف في المعنى غالبا كما سنبين. والنصب اكثر من الجر اذا كان مجردا من (ال) والاضافة، كما لاحظنا في اكثر ما قدمنا من امثلة، ومن جره قول الشاعر:-
من امكم لرغبة فيكم جبر ومن تكونوا ناصرية ينتصر [1]
وبعكسه ما قترن بـ (ال) ، فيكثر فيه الجر، ونصبه قليل. فمن الاول قولنا: (ضربته للتاديب) ومن الثاني قول الشاعر:-
لا اقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الاعداء [2]
ويستوي الامران - اعني نصب المفعول له المستكمل للشروط وجره - اذا كان مضافا، فكلاهما كثير، قال تعالى: {يجعلون اصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت} (البقرة:19) وقال حاتم الطائي:-
واغفر عوراء الكريم ادخاره ... واعرض عن شتم اللئيم تكرما [3]
فكل من (حذر، ادخار) مضاف منصوب، ويجوز فيهما: لحذر الموت، لادخاره [4] .
ومن الجدير بالذكر هنا ان مصطلح المفعول له (او ما يرادفه) هو مصطلح بصري. والمفعول له عندهم على تقدير حرف تعليل، والكوفيون يدخلونه في المفعول المطلق، فانتصابه عندهم (( انتصاب المصادر، وليس على اسقاط حرف الجر، ولذلك لم يترجموا له استغناء بباب المصدر عنه، وكانه عندهم من قبيل المصدر المعنوي ) ) [5] ، فاذا قلت: ضربت زيدا تقويما، فكانك قلت: قومت زيدا بضربي له تقويما، وجئت اكراما لك، فكانك قلت: اكرمتك اكراما. فالفعل المقدم على المفعول له ملاق له في المعنى وهو ناصبة عندهم [6] .فما قبل المصدر يتضمن معناه اذ هو تجسيد وتطبيق وتبيين له، فضرب زيد هو التقويم، والمجيء هو الاكرام، فشابه مضمون ما قبل المصدر في السياق معنى المصدر الوضعي.
واختلف النحاة في نقلهم عن الزجاج، فقيل ان مذهبه مذهب سيبويه، وقيل ان المفعول له عنده مفعول مطلق ناصبة الفعل المتقدم عليه من قبيل المصدر المعنوي وهو مذهب الكوفيين، ونقلوا ان
(1) اوضح المسالك:2/ 229، شرح التصريح:2/ 336.
(2) اوضح المسالك: 2/ 228، المساعد: 1/ 487، شرح ابن عقيل: 2/ 187، همع الهوامع: 3/ 134.
(3) الكتاب:1/ 185، 464، المساعد: 1/ 488، شرح ابن عقيل: 2/ 190.
(4) ينظر: اوضح المسالك: 2/ 228 - 230، المساعد: 1/ 487 - 488، شرح ابن عقيل:2/ 187 - 190
(5) همع الهوامع: 3/ 133، وينظر ارتشاف الضرب: 2/ 221.
(6) ينظر: شرح التصريح:1/ 337، حاشية الصبان:2/ 122.