اولوا (يريكم) بيجعلكم ترون، فيتحد فاعل الخوف والطمع مع فاعل الرؤية لا فاعل الاراءة؛ اذ التعليل هنا باعتبار الرؤية لا الاراءة، وعليه يكون اتحاد الفاعل في الاية الكريمة تقديريا [1] .
وقد رد التاويل الثاني بانه (( خلاف الظاهر، وان العامل الذي تتعلق به الاحكام النحوية هو(يريكم) لا (ترون) ، وانه لا يظهر كون الخوف والطمع علة للرؤية؛ لانهم لا يرون لاجل الخوف بل يريهم الله لاجل ان يخافوا ويطمعوا )) [2] .
اقول: اذا كان ذكر الخوف والطمع هنا تعليلا للفعل (يريكم) فهو اما تعليل بالسبب او تعليل بالغرض، فان كان تعليلا بالسبب وجب ان يكون خوف المخاطبين وطمعهم سابقا للاراءة، والحال انه ليس كذلك، وليس الدافع للاراءة هو انهم كانوا خائفين طامعين.
واما لو كان تعليلا بالغرض فان هذا يعني ان الخوف والطمع غرض للاراءة، وعليه فهما اما ان يكونا بمعنى الاخافة والاطماع وعندئذ يتحد فاعل المصدر وفاعل الفعل المعلل، او يكونا بمعنى: ان يخافوا ويطمعوا، فالخوف والطمع اثر الاخافة والاطماع، أي: يريهم البرق ليخافوا ويطمعوا، فلا يتحد الفاعلان، والله اعلم.
والاقوى عند الرضي الاسترابادي عدم الاشتراط قال: (( وبعض النحاة لا يشترط تشاركهما في الفاعل وهو الذي يقوى في ظني، وان كان الاغلب هو الاول، والدليل على جواز عدم التشارك قول امير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه في نهج البلاغة:(فاعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية) والمستحق للسخطة ابليس والمعطي للنظرة هو الله تعالى: لا يجوز ان يكون (استحقاقا) حالا من المفعول لان (استتماما) اذا يكون حالا من الفاعل، وكذا (انجازا للعدة) ولا يعطى حال الفاعل على حال المفعول )) [3] .
وبعض المحدثين لا يؤيد لزوم هذا الشرط، فيورد عليه قوله تعالى: {فلما جاءهم من نذير ما زادهم الا نفورا استكبارا في الارض ومكر السيئ} (فاطر:42) فقوله (استكبارا) يعلل زيادة النفور وفاعله الكفار، اما فاعل زيادة النفور فهو النذير، فاختلف فاعلاهما. وايضا قوله عز وجل: {وحملناه على ذات الواح ودسر* تجري باعيننا جزاء لمن كان كفر} (القمر:13 - 14) فعلل الجري بالجزاء وفاعل الجري السفينة وفاعل الجزاء هو الله (- سبحانه وتعالى -) .ومثل ذلك في اختلاف الفاعل قول امرئ القيس [4] :-
ارى ام عمرو دمعها قد تحدرا بكاء على عمرو وما كان اصبرا [5]
(1) ينظر: مغني اللبيب:2/ 562، شرح التصريح:2/ 335، حاشية الصبان: 2/ 123.
(2) حاشية الصبان:2/ 132.
(3) شرح الرضي:1/ 193.
(4) ينظر: معاني النحو:2/ 654 - 655، التراكيب اللغوية:53،54.
(5) ديوان امرئ القيس:69، شرح اللمحة البدرية: 2/ 163.