عدمه [1] .وغيره لم ير سببا يمنع ان يقال: (قصدت مكة اداء لفريضة الحج) اذ ان زمن القصد غير زمن اداء الفريضة، وعززه بقوله تعالى: {وانزل التوراة والانجيل * من قبل هدى للناس} (ال عمران:3 - 4) فهداية الناس لا تشترك مع الانزال في الوقت وانما هي بعده، فزمناهما مختلفان، وقوله تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك ليثبت الذين امنوا وهدى وبشرى للمسلمين} (النحل:102) اذ التثبيت والهداية والبشرى بعد التنزيل لا وقته. [2]
اقول: يؤيد هذا المذهب ان مشترطي اتحاد الحدث والمصدر زمنا قد مثلوا بنحو: (جئتك اصلاحا لحالك) كما مر، والحال ان زمن الاصلاح غير زمن المجيء، فهو يقع بعد انقطاعه لا مع اخره، وعليه كان اللازم ان يجر باللام على ما ذهبوا اليه، كما كان ذلك في قول امرئ القيس مثلا [3] :-
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها لدى الستر الا لبسة المتفضل [4]
ولعل تمثيلهم لما ذهبوا اليه يصح لو كان المجيء من الاصلاح، والاصلاح يقع بوقوع المجيء، فكانما قيل: مجيئي اصلاح لحالك. ومثله قولهم: (جئت اكراما للزائرين) فاذا كان المجيء هو الاكرام والاكرام يحصل به صح التمثيل، واذا كان المعنى جئتك كي اكرم الزائرين تغاير الزمنان اعني زمن الحدث الذي هو المجيء وزمن المصدر الذي هو الاكرام اذ يكون تاليا له منقطعا عنه وليس مع اخره كما قالوا.
على اننا قد نلحظ ايضا في بعض ما مثل به على عدم الاشتراط مأخذا او توجيها يعترض بهما عليه؛ ذلك انه من غير الصحيح ان يقال: (جئتك امس طمعا في معروفك الان) وايضا قولهم المماثل له: (اكرمتك امس طمعا غدا في معروفك) ؛ لان المفعول له انما ذكر ليعلل المجيء والاكرام - ووقوعهما كان في زمن ماضٍ (امس) - وهو- اعني المفعول له- في كلا المثالين قد افاد تعليلا بالسبب؛ اذ ان الطمع هو الحامل للفاعل على الفعل وليس غرضا له. والسبب - كما علمنا - سابق للفعل ذهنا وخارجا، ومن ثم لما كان ايقاع الطمع - في المثال - منقطعا عن ايقاع الفعل، لاحقا له (اذ يقع الان او غدا) كان المثال محالا، فاذا وقع المجيء او الاكرام امس استحال ان يكون الطمع سببا له متاخرا عنه بان يقع الان او يقع غدا الا على معنى: كي اطمع، وهو غير مقصود. والذي يظهر ان الوهم هنا جاء من متعلق الطمع وهو (في
(1) ينظر التراكيب اللغوية: 54، 55.
(2) ينظر معاني النحو: 2/ 654.
(3) تنظر حاشية الازهرية:42.
(4) ديوان امرئ القيس:14،ارتشاف الضرب:2/ 223، اوضح المسالك: 2/ 226.