الصفحة 108 من 179

الجواب: ان الله تعالى قال في موضع آخر: {فرجعناك إلى امك كي تقر عينها ولا تحزن} (طه:40) فاقتصر على ذكر التعليل الاول، وهذا يدل على اهميته وكونه المراد الأول والمقدم من رده (- عليه السلام -) إلى امه، كيف لا؟ وهم كل ام فقدت ابنها الرضيع ان يرد اليها، لا ان يجعل نبيا مرسلًا على ما اشار اليه التعليل الثاني: {ولتعلم ان وعد الله حق} ، واستعملت (كي) في الآيتين، ومن ثم فان (كي) استعملت للمراد الاول والغرض المؤكد، اما اللام فاستعمالها للغرض عموما [1] .

اما عدم استعمال (كي) بدل اللام في التعليل الثاني {لتعلم أن ... } فلأن العلم هنا بمعنى الاطمئنان وليس مجرد العلم، ولو قيل: (كي تعلم ان وعد الله حق) لكان المعنى انها تجهل ذلك وانما كان رده اليها لتعلم هذا الامر [2] ، والحال ان ام موسى (- عليه السلام -) تعلم ان وعد الله حق لايتخلف، بدليل ان الاية سبقها قوله عز وجل: {واصبح فؤاد ام موسى فارغا ان كادت لتبديه لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين} (القصص:10) اذ ربط الله على قلبها وصبر بتذكيرها بما كان من وعد بقوله: {انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين} (القصص:7) [3] ، وصبرها هذا بمجرد التذكير يدل على ايمانها بوقوع الوعد وصدقه.

(كي) ولعلّ

مر ان (لعل) حرف اكثر مجيئه للترجي، وانه قد يفيد تعليلا بالغرض فيكون بمعنى (كي) . ولا يعني هذا- على ما يبدو لنا- ان معنييهما متطابقان تماما دوما على الرغم من افادتهما التعليل بالغرض، فمثلا معنى قولهم: (انطلق بنا لعلنا نتحدث) لايطابق المعنى لو قيل: (انطلق بنا كي نتحدث) . نعم، كلاهما يؤدي معنى التعليل بالغرض اذ ان التحدث في الجملتين غرض للانطلاق، فهو سبب له وسابق اياه في الذهن والتصور، ومسبب عنه وتال له في الخارج والتحقق، الا ان وقوع التحدث في الجملة الاولى فيه تراخ وهو غير مؤكد الوقوع، فعند وقوع الانطلاق يترقب التحدث وينتظر، وهذا من الترجي وهو معناه الأشهر فجاء مصاحبا لمعنى التعليل.

أما الجملة الثانية فليس فيها ذاك التراخي في وقوع التحدث، والغرض المراد هنا (وهو التحدث) كأنه مؤكد الوقوع والتحقق.

ومثله قولهم: (اعمل عملك لعلك تأخذ اجرك) فما افادته (لعل) فيه لا يطابق ما تفيده (كي) لو قيل: (اعمل عملك كي تاخذ أجرك) فمعنى التعليل في الجملة الاولى صاحبه معنى الترجي وأضفى عليه بعدا

(1) ينظر معاني النحو: 3/ 347.

(2) ينظر معانى النحو: 3/ 348.

(3) ينظر تنوير الاذهان: 3/ 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت