الصفحة 107 من 179

المستجير يعصم [1] . ومع ان فاء السببية تحمل معنى التعليل الا انها لا يجوز تقديرها بـ (كي) بنفس المعنى المراد منها.

نخرج من هذا بأن اللام في البيت لام كي، وقد ذكر الغرض بعدها، وقبلها سببه والفاء ليس فيها الا ذكر السبب. وان قوله (ليعصما) على نية تحقيق العصمة، فما بعد اللام جائز الوقوع لا لازم التحقق، وعكس ذلك لو قيل (فيعصما) . وعليه يكون المعنى الثاني أقوى وابلغ في الفخر (والشاعر-كما يبدو-يريد الفخر) ، ومن ثم يترجح ان تكون الرواية بالفاء هي الرواية الصحيحة ويعضده انها هي الأشهر.

اللام و (كي)

تقدم ان اللام تعلل بالسبب وبالغرض اذا دخلت على الاسم، وتفيد تعليلًا بالغرض فقط اذا دخلت على الفعل المضارع. ولا تفيد (كي) الا تعليلًا بالغرض، ولهذا فهي أضيق استعمالا من اللام. على اننا لا نلحظ فرقا في معنى التعبير اذا تعاقب فيه هذان الحرفان، نحو: جئت لأتعلم وجئت كي أتعلم، فالتعلم هو الغرض من المجيء فيهما.

ونلحظ أيضا ان هذا التعاقب لا يصح في مثل قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} (القصص:8) حيث استعملت اللام في التعليل المجازي وان العداوة والحزن علة مجازية اذ ليس ذلك هو المراد من الالتقاط فلو قلنا: (التقطوه كي يكون لهم عدوا وحزنًا) فهم منه غير ذلك، اذ ان (كي) هنا جعلت العداوة والحزن كانهما علة حقيقية للالتقاط فهما المراد فيه، وبه يكون التعليل حقيقيًا لا مجازيا.

ومثل ذلك لو قلنا: (جئت لنلتقي بغير قصد) فاللقاء قد حصل وهو ليس مقصودًا، وليس هو الغرض من المجيء. ولو قيل: (جئت كي نلتقي بغير قصد) لأفهم وجود (كي) ان اللقاء مقصود من المجيء وهو غرضه، وعليه لا يجب ان يقال: بغير قصد، اذ لا توافق عندئذ بين اول القول وآخره.

ومثله أيضا قولهم: (سعى ليفسد في الأرض من دون ان يعلم) فاذا حصل الافساد بغير علم فلا يكون غرضًا للسعي اذ ليس مقصودا ولا مرادا لذا جاز استعمال اللام. و (( بـ(كي) يكون المعنى ان غرض السعي الذي سعاه هو الافساد، فكيف يصح ان يقال: من دون ان يعلم؟ )) [2] .

مما تقدم تبين لنا ان اللام وكي قد يتعاقبان في التعليل الحقيقي اذ كلاهما يستعمل فيه، ولا يتعاقبان في التعليل المجازي لما راينا من تغير المعنى بابدال كي باللام. لذا قد يتساءل عند تلاوة قوله تعالى: ... {فرددناه الى امه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق} (القصص:13) :لم أستعمل الحرفان في تعليلين لأمر واحد؟ وهل يصح ان يعقب احدهما الآخر؟!

(1) رصف المباني:226.

(2) معاني النحو: 3/ 347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت