ومن ثم فان الكسب في ذهن المحسن في الجملة الاولى سيقع لامحالة، فما بعد الفاء فيها لازم الوقوع بوقوع ماقبلها. اما الكسب في ذهن المحسن في الجملة الثانية فانما هو مقصوده من الاحسان، وما يسعى الى تحقيقه، لذا قد يحقق المحسن مسعاه وغرضه ويبلغ مقصوده وقد لا يكون له ذلك. وعليه فان الكسب بعد اللام غير لازم الوقوع بوقوع ما قبلها.
ويصدق ما قيل في اللام على (كي) لو أبدلناها بها، نحو: (أحسن الى الناس كي تكسب ودهم) .
وروي باللام والفاء قول طرفة:-
لنا هضبة لاينزل الذل وسطها ... ويأوي اليها المستجير ليعصما [1]
واختلف في معنى اللام فيه، فذهب قوم الى ان اللام في (ليعصما) هي لام العاقبة، ورآى اخرون انها لام كي، وذهب غيرهم الى انها بمعنى الفاء لأن الأصل (فيعصما) . والرواية المشهورة للبيت بالفاء [2] . فعلى المذهب الاول يكون المعنى: ان المستجير يأوي الى تلك الهضبة فيؤول امره الى ان يعصم من الذل (او غيره) . واللام هنا وقعت بين امرين: الاول (السابق لها) : مستمر بتكرار حصوله، وهو أيواء المستجير، اذ تعلقت اللام بالفعل المضارع (يأوي) . والاخر (التالي لها) : هو ما سيؤول اليه امره، وهو العصمة.
وما يضعف كون اللام للعاقبة هنا ان ما يريده المستجير من الايواء الى الهضبة هو تلك العصمة، فهي اذن علة غائية له وغرض حقيقي لا مجازي، وعليه فان اللام ليست لام العاقبة اذ لم تستعر الى ما يشبه التعليل. ام كونها بمعنى الفاء فمردود ايضًا اذ انها (( ليست اصلا في هذا الموضع فيحمل عليها اللام، لان نصب الفعل بعد الفاء في الواجب انما يجوز لضرورة الشعر ) ) [3] .
اما اذا كانت اللام لام كي فالمعنى: ان المستجير عندما يأوي الى تلك الهضبة فغرضه ان يعصم من الذل وغيره، وهذا الغرض قد يتحقق له وقد لا يتحقق اذ هو في نيته. فاللام هنا اذن دخلت على العلة الغائية التي حملت المستجير علىلايواء الى الهضبة، ولهذا قيل ان اللام في البيت (( فيها معنى العلة ويصح تقديرها بكي ) ) [4] . وسبقت بما يسبب العصمة في نظر المستجير، وهو الايواء.
وعلى الرواية بالفاء -وهي فاء السببية- يكون المعنى: ان كل مستجير عندما يأوي الى الهضبة
يعصم من الذل، فالعصمة سببها ايواء المستجير الى تلك الهضبة، وهي- لامحالة- متحققة بتحقق السبب. وهذا المعنى هو ما قد دعا المالقي لأن يقدر عجز البيت (على روايته بالفاء) بالشرط، أي: ان يأو اليها
(1) رصف المباني:225،الجنى الداني:162:وتنظر صفحة (61) .
(2) ينظر: رصف المباني: 255، الجنى الداني: 162.
(3) الجنى الداني: 162.
(4) رصف المباني: 226.