ومن ثم فلام الاستغاثة أوسع استعمالًا في هذا الباب، اذ تدخل على المستنصر له والمستنصر عليه، فمن الاول قولك: (يالزيد لعمرو من خالد) ، ومن الثاني البيت المتقدم.
وربما سعة استعمال اللام هذه جعلت معناها عند دخولها على المستغاث منه اوسع من معنى (من) وقد تحمل دلالة على الغرضية، ذلك انك لو قلت: (يا للحاكم العادل من الظلم) فهم من دخول (من) ان الظلم هو سبب الاستغاثة وهو منشؤها ومبدؤها ومنه صدرت. ولو قلت: (يا للحاكم العادل للظلم) فهم أيضًا ان سبب الاستغاثة هو الظلم، وانها- اعني الاستغاثة- استحقت الوجود لوجود الظلم، وللخلاص منه والتغلب عليه، ومثله قول الشاعر:-
يا للرجال ذوي الالباب من نفرٍ ... لا يبرح السفه المردي لهم دينا [1]
فهؤلاء النفر هم سبب الاستغاثة، ومنشؤها ومبدؤها، ولاتفهم (من) اكثر من هذا. ولان الشاعر قد استغاث فقد افهمت استغاثته ان المراد هو الخلاص من اولئك النفر (بصفتهم المذكورة) والتغلب عليهم. ولو ابدلنا اللام بـ (من) : (ياللرجال ذوي الالباب لنفرٍ ... ) لأفهمت تسبب الاستغاثة من هؤلاء النفر، وانها استحقت لوجودهم (وهذا سبب) ، ولاضعافهم والتغلب عليهم (وهذا غرض) ، وكأن الاستغاثة هنا بعد ان تسببت من اولئك النفر ترجع اليه بالمستغاث به، وبـ (من) لا يفهم هذا الرجوع، اذ انها صدرت منهم فحسب.
وقد يؤيد ذلك صحة تقدير مضاف مع اللام دال على الغرض وعدم صحة ذلك مع (من) فيقال: (ياللرجال ذوي الالباب للخلاص من نفرٍ ... ) ، ولا يقال: (ياللرجال ذوي الالباب من الخلاص من نفرٍ ... ) ذلك ان المستغاث منه عند التقدير يصير مستغاث له، و (من) لا تدخل عليه، وهذا الاخير يؤكد ان سعة استعمال اللام في هذا الموضع ادى بها الى ان تحمل ذاك المعنى.
اللام وفاء السببية
قد نلحظ تعبيرين متشابهين تركيبًا نحو ان يقال: (احسن الى الناس فتكسب ودهم) ، (احسن الى الناس لتكسب ودهم) ولكل معناه ومقصوده، فالجملة الاولى- وقد استعملت فيها فاء السببية- فيها ان كسب الود متسبب عن الاحسان، والمعنى: احسن اليهم فيتسبب من ذلك كسب ودهم، فاذا وقع الاحسان منك وقع لذلك كسب الود، فكأنما المأمور يريد كسب الود فلم يعرف لذلك سبيلًا، فسال: كيف اكسب ود الناس؟ فقيل له: احسن اليهم فتكسب ودهم. وعليه فأن الاول (ما قبل الفاء) شرط للثاني، ولهذا لاحظنا-في بحث الفاء- صحة انتظام السبب والمسبب (في فاء السببية) في شرط وجزاء، وتقديرها هنا: ان تحسن الى الناس تكسب ودهم.
اما الجملة الثانية- وقد استعملت فيها لام التعليل- ففيها ان كسب ود الناس هو الغرض من الاحسان اليهم (وهو- بفرض تحققه- متسبب عن الاحسان) ، ففي الجملة امر بالاحسان وتعليل له.
(1) همع الهوامع: 3/ 73, شرح الاشموني: 2/ 463.