الصفحة 104 من 179

ومجيء المعاقبة للمعاقب كان منها، فهي مبدأ المعاقبة، و (عاقبته على اساءته) وهذا فيه ان المعاقبة كأنها وضعت على الاساءة، حدث فوق حدث، وعمل على عمل.

وكذا لو سقلنا: (أخذته الصاعقة لظلمه وبظلمه ومن ظلمه وعلى ظلمه وفي ظلمه وعن ظلمٍ منه) . اذ لكل معناه (( فأما اخذته الصاعقة لظلمه فمعناه: ان ظلمه سبب استحقاق العذاب: استحق العذاب لهذا. وأما(بظلمه) فمعناه: انه بمقابل الظلم.

وأما (من ظلمه) فكأن الصاعقة اخذته من ذلك المكان أي جاءته ودخلت عليه من الظلم.

واما (على ظلمه) فكأن الصاعقة وقعت على ظلمه.

وأما (في ظلمه) فمعناه ان الظلم تضمن الصاعقة واحتواها [1] .

واما (عن ظلم منه) فكأنما تجاوز الظلم بوقوع الصاعقة، اذ هي رد عليه.

وربما لمثل ذلك لم يجوز ابن مالك فيما نقل عنه ان تعقب اللام الباء في قول العرب: (غضبت بزيد) لان غضبت به تقولها اذا غضبت وهو ميت، و غضبت له اذا غضبت وهو حي [2] . وتحريره- على ما مر: ان (غضبت بزيد) فيه حصول الغضب مسبب عن موته، فالغضب بمقابل ذلك، وليست اللام كذلك، لأن المعنى بها ان الغضب مستحق لأمر زيد اذ انه حي.

وليس مناسبًا او دقيقًا على ما تقدم من فرق في معنى التعليل بحروف الجر ما جاء في شواهد التوضيح والتصريح من ان حرف الجر (في) في قوله تعالى: { ... لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} (الانفال:68) وفي قول الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) : (( ... ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد ) ) [3] ، بمعنى الباء الدالة على السببية [4] ، الا على ارادة انها كألباء في افادة التعليل على العموم.

اللام ومن (في الاستغاثة)

مر ان لام المستغاث له تفيد تعليلًا بالسبب وذكرنا لذلك قول الشاعر:-

يا لقومي لفرقة الاحباب

ورأينا صلاحية افادة هذه اللام تعليلًا بالغرض على تقدير محذوف، أي: للخلاص من فرقة الاحباب. ومر في بحث (من) انها تدخل على المستغاث له اذا كان مستنصرًا عليه فحسب، فتفيد تعليلًا بالسبب، كأن يقال: (يا لله من ألم الفراق) .

(1) معاني النحو:3/ 89.

(2) ينظر جواهر الادب:18، الجنى الداني:104، همع الهوا مع:4/ 160.

(3) صحيح مسلم:4/ 579.

(4) ينظر شواهد التوضيح:265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت