والتقصير). ولذلك قيل: (( ان اصل الباء للالصاق، وذات العلة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الالصاق ) ) [1] .على ان الاوضح من ذلك والاقرب الى الذهن والفهم ان يحمل معنى التعليل معنى المقابلة- كما اشرنا اليه في موضعه- فتكون المكافأة في مقابلة الاجتهاد، والمعاقبة في مقابلة التقصير.
اما الحرف (عن) فاصل معناه المجاوزة، وهو عندما يفيد التعليل يتخلله هذا المعنى ايضًا، فبتحقق المسبب يتجاوز السبب، نحو قولك: (ما حضرت اليك الا عن طلب منك) ، فالطلب سبب حضورك وبالحضور جاوزت الطلب وتعديته.
وأصل معنى حرف الجر (في) هو الظرفية، وهو يفيد عندما يأتي للتعليل، اذ ان السبب يتضمن المسبب ويحتويه كالظرف اذ يحتوي ما في داخله، فمعنى قوله تعالى: {لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم} (النور:14) (( انه جعل العذاب في الافاضة فكأن هذه الافاضة ظرف في داخله العذاب. ونحوه ان تقول:(عذبته في فعلته) فكأن الفعلة حل فيها العذاب وقد تضمنته واحتوته احتواء الظرف على ما في داخله )) [2] .
و (من) التعليلية يصحبها معنى الابتداء اذ انه اصل معانيها، وفيه يكون السبب هو مبدا المسبب؛ اذ ان المسبب يصدر من السبب ويحصل منه، فقولنا: (قعد من الجبن) يكون فيه القعود ناشئ من الجبن وحاصل منه، والجبن مبدأ القعود، وكذا: (عض اصبعه من الندم) فالعض حصل من الندم وصدر منه [3] .
اما حرف الجر (على) فاصل معناه الاستعلاء واذا جاء للتعليل كان فيه هذا المعنى. وفيه يكون احداث السبب كانه شيء يعلوه احداث المسبب، نحو قولك: (شكرته على صنيعه) فالمعنى كأنك وضعت الشكر على صنيعه.
اذا، فعلى الرغم من ان حروف الجر المعللة تؤدي معنى التعليل، ويأتي جميعها للتعليل بالسبب فقد تبين لنا من عرض المعاني الدقيقة لها ان تعليلها غير متماثل، ولهذا لايصح ان يقوم احدها مقام الاخر او يبدل مكانه مع ارادة المعنى نفسه، وقد يصح عاقبهما في تعبير واحد وكل منها على تقدير معنى، فقولك: (عاقبته لاساءته) فيه ان المعاقبة مختصة بالاساءة لانها سببها دون غيرها، او ان الاساءة سبب استحقاق المعاقبة، أي: استحق المعاقبة لاساءته. وابدال الحروف الاخرى باللام يعطي معانٍ مختلفة عن ذلك، فيقال: (عاقبته باساءته) فجعلت المعاقبة بمقابل الاساءة، و (عاقبته عن اساءةٍ منه) كأنه بتحقق المعاقبة تُجاوَز الاساءة فكأنها- أي المعاقبة- ردّ عليها وثأر بها منها، و (عاقبته في اساءة منه) والمعاقبة هنا كأنها محتواة في الاساءة ومتضمنة فيها، و (عاقبته من اساءته) فيه ان المعاقبة حصلت من الاساءة وصدرت منها
(1) المحصول: ج2/ق2/ 196، وينظر البحر المحيط: 3/ 322.
(2) معاني النحو:3/ 89.
(3) ينظر معاني النحو: 3/ 88.