بيان إجمال للسورة
هذه السورة مدنية وآياتها خمس وسبعون - وهي تتضمن فيضا حافلا زخيرا من الأحكام والمواعظ والمشاهد - أولها الكلام عن الأنفال، وهو عنوان السورة - ويراد بالأنفال الغنائم - ونعرض لبيان ذلك من حيث أنواعه وأحكامه وأقوال العلماء فيه.
وتتضمن السورة ذكر المؤمنين الذين توجل قلوبهم بذكر الله، وسماع آياته البينات، والذين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة.
وتتضمن كذلك بيانا بحال المؤمنين لما اختلفوا فيما يفعلونه في المشركين ذوي الشوكة، هل يقاتلونهم في بدر أو يكفون عن قتالهم ويكتفون بأخذ العير الموقرة بأموال قريش - ثم كتب الله التوفيق للمؤمنين الراغبين في الجهاد؛ إذ قاتلوهم وانتصروا عليهم بعون الله وتعزيزه لهم - وفي ذلك ما يؤكد للمسلمين طيلة الدهر أن النصر بيد الله وحده يؤتيه من يشاء من عباده العاملين المخلصين {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} .
ويأمر الله في السورة عباده المؤمنين أن يثبتوا في ساحة الجهاد وهم يواجهون أعداء الله فلا يولون الأدبار؛ فإنه لا يولي الكافرين دبره عند اللقاء إلا من باب بالغضب من الله وكان مأواه جهنم - ولما أظهر الله المؤمنين في بدر وأظفرهم على المشركين بين لهم أن ما تحصل لهم من النصر على عدوهم لم يكن بقوتهم واقتدارهم بل كان بمشيئة الله وفضله وامتنانه؛ إذ كتب النصر لعباده المؤمنين الصابرين، على ضعف عدتهم وقلة عددهم.
ويحذر الله في السورة عباده المؤمنين من كل فتنة لا تقتصر في الإصابة والإضرار على الظالمين وحدهم - ولكنها تصيب الظالمين والمؤمنين على السواء فما ينجو منها أحد - وثمة تفصيل في السورة لهذا المعنى نعرض له في حينه إن شاء الله.
وفي السورة تذكير من الله لعباده المؤمنين بحالهم في مكة؛ إذ كانوا قلة وكانوا مستضعفين، ثم أيدهم الله بتكثيرهم وجعلهم آمنين بعد أن كانوا خائفين - إلى غير ذلك من وجوه النعمة والرزق الذي من الله به على المؤمنين الصابرين - فعليهم بذلك أن يذكروا تلك النعم ولا ينسوها، ويبادروا دائما بطاعة الله وشكره على مننه وإفضاله.
وفي السورة بيان لمكر الكافرين وكيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتمالئهم عليه وتشاورهم فيما بينهم بشأنه، هل يحبسونه فلا يخرج، أو يقتلونه، أو يخرجونه خارج مكة - ثم وقع رأيهم وكيدهم على ابتغاء قتله عليه السلام، لكنهم خابوا وخسروا وباءوا بالفشل والخزي، فقد نجي الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم في حدث إعجازي جلل ومذهل - حدث ينطق في صدع وجهار أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} .
وتكشف السورة عن تواطؤ الكافرين جميعا على النيل من الإسلام والمسلمين؛ فهم يتمالئون في كل زمان ليكيدوا للإسلام كيدا، وينفقون في سبيل هذه الغاية الخبيثة الأموال الهائلة - لكنهم سوف يبرءون في النهاية بالخزي والفشل في هذه الدنيا ثم يفضون في الآخرة إلى جهنم وبئس المصير.
ويأمر الله المؤمنين بقتال المشركين حتى تكون كلمة الإسلام هي العليا، ويكون منهج الله هو المسيطر والنافذ في العالم دون غيره من الملل والمذاهب الفاسدة الضالة - وإذ ذاك تنتهي ويعم الأمن ويشيع الرخاء في العالم كله، وهو قوله: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .
وفي السورة تشريع للغنية بتخميسها - وهو أن يكون خمسها لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل - وأربعة الأخماس الأخرى للمقاتلين.