قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنم سعيرا) المراد بالحاسدين هنا اليهود - والمراد بالناس الرسول محمد (ص) إذ كانوا يكرهون كراهية بالغة ويغتاظون منه أشد التغيظ لنبوته أولا، ثم لكونه من غير بني إسرائيل ثانيا - وعلى هذا فقد كانوا يحسدونه ويتآمرون عليه ويكيدون له كل ألوان الكيد بما يدل على طبائع مريضة قد خالطها الحسد والضغن - فلئن حسدوه على ما آتاه الله من نبوة كانوا يعلمونها وكانت مبعث إثارة وإغاظة لهم فقد آتي الله آل إبراهيم الكتاب والحكمة - والمقصود بالكتاب ما أنزل عليهم من كتب سماوية - والحكمة هي مجموعة المعاني والأقوال النافعة السديدة - وقيل هي السنن التي سار عليها النبيون - وكذلك آتاهم الله الملك وهو الجاه والسلطان فقد جعل الله من ذرية إبراهيم ملوكا منهم داود وسليمان، والمقصود بآل إبراهيم ذريته من أسباط بني إسرائيل، فلماذا الحسد وهو خصلة فاسدة ذميمة مع أن آباءكم من أسباط إسرائيل وهم ذرية إبراهيم قد أوتوا النبوة والحكمة والسلطان من قبل هذا النبي (ص) ؟
قوله: (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه) مع أن النبوة كانت سابقة في آل إبراهيم من آباء اليهود لكنهم لم يؤمنوا بها - بل إن فريقا منهم قد صدق واتبع فريقا آخر قد أدبر واستكبر وجعل يصد الناس عن دين الله صدودا.
ثم إن الله جلت قدرته يندد بهؤلاء الكفرة الأشرار ويتوعدهم عذاب جهنم وكفى بها نارا حارقة لاهبة مستعرة، فقال: (وكفى بجهنم سعيرا) .
قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما) ذلك تفصيل عن كيفية التعذيب الذي تصطلي به جلود الذين كفروا بآيات الله ويستوي في ذلك المشركون على اختلاف مللهم وعقائدهم أو الملحدون الذين لا يؤمنون بخالق الحياة والكون - أولئك جميعا قد أعد الله لهم نارا لاهبة تحترق فيها جسومهم كلها - ولا تتسايخ لحومهم وأبدانهم بلظى جهنم الحارق حتى يبدلهم الله بجلود أخرى تأخذ في الانصهار والاصطلاء من جديد - وهكذا تظل الأبدان والجلود في تحريق وتبديل دائمين وهي تعاني فظاعة العذاب المؤلم الذي لا تصطبر عليه النفوس إلا راغمة مقهورة.
قوله: (إن الله كان عزيزا حكيما) إنه سبحانه وتعالى قوي يحكم بما يريد ولا راد لقضائه ولا يعجزه شيء - وهو كذلك حكيم في تقديره العذاب للكافرين و العصاة.
وقوله: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا) .