قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين) (فمن حاجك) أي جادلك وخاصمك يا محمد (فيه) أي في المسيح عيسى ابن مريم، أو في الحق الوارد في الآية (الحق من ربك) - من بعد أن أوحى الله إليك في ذلك من الخبر اليقين والعلم الصادق الساطع، فقل لهم هلموا (ندع أبناءنا وأبناءكم - - ثم نبتهل) أي نلتعن - من البهل بفتح الباء وهو اللعن - باهل بعضكم بعضا وتبهلوا أي تلاعنوا - والابتهال الاجتهاد في الدعاء - بهله الله أي لهنه الله 111 واللعن معناه الطرد والإبعاد من الرحمة 112.
وسبب نزول هذه الآية أنه جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لهما:"أسلما تسلما"فقالا: قد أسلمنا قبلك - فقال:"كذبتما- يمنعكما من الإسلام سجودكما للصليب، وقولكما اتخذ الله ولدا، وشربكما الخمر"فقالا: ما نقول في عيسى؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) إلى قوله: (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) الآية - فدعاهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى الملاعنة - وجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده عليهم السلام، فلما خرج من عنده قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، فأقر بالجزية، فرجعا فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك.
وجملة القول أن المباهلة ضرب من الاجتهاد في الدعاء يجعل اللعن على الكاذبين، لكن المشركين أبوا أن يطوقوا أنفسهم بمغبة هذا الدعاء الخطير لما يعرفونه في أعماق أنفسهم وهو أن محمدا صلى الله عليه و سلم صادق، وأنه يأتيه الوحي من السماء، وأن ما جاء به من أنباء المسيح وأمه مريم غاية في اليقين وقطع الثبوت.
ولقد استيقن هؤلاء المشركون أن قبولهم بالمباهلة سيفضي بالضرورة إلى أن تحيق بهم نقمة الله فيبوءوا بالسخط والاصطلام؛ من أجل ذلك أحجموا عن المباهلة - وتلك حجة ظاهرة تضاف إلى الدلائل الكاثرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) هذا إشارة إلى ما تقدم من أخبار نبأ الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم من أمر عيسى على أنه عبد الله ورسوله وأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وهو روح من الله، ذلك كله لهو القصص الحق، والقصص في اللغة هو اتباع الأثر، قص أثره، تتبعه - يقال للقاص إنه قاص؛ لأنه يتبع الخبر بعد الخبر أو يسوق الكلام سوقا، فالمراد بالقصص تتابع المعاني في خبر من الأخبار 113.
قوله: (وما من إله إلا الله) هذا تأكيد ومبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى.
قوله: (وإن الله لهو العزيز الحكيم) العزيز الذي لا يُغلب - وهو القادر على كل شيء كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من المعجزات - وهو الحكيم - أي العالم بكل شيء وبكل ما تفضي إليه الأمور من عواقب.