أما قوله: (تتقون) فيحتمل وجهين: أحدهما: أنكم بالصيام تكبحون جماح الشهوة، وتخففون من حدتها واشتدادها - وثانيهما: أنكم بالصيام تجتنبون المحرمات، وتنتهون عن المعاصي، وتكونون قد أديتم فريضة عظيمة كتبها الله عليكم؛ فيرضى عنكم ويجعلكم من المؤمنين العالمين المتقين - وكلا المعنيين متقاربان حتى يجدر الأخذ بعموم الدلالة لهذه العبارة - فالمتقون هم الممتثلون لأوامر الله المبادرون بالطاعة له سبحانه، سواء في ذلك تنفيذ ما كلف به وأمر أو تجنب ما نهى عنه وزجر.
184 - (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)
وقوله (أياما معدودات) (أياما) مفعول به ثان للفعل المبني للمجهول (كتب) وقيل: منصوب على الظرفية الزمانية - أما الأيام المعدودات فالمراد بها شهر رمضان - وقيل هي الثلاثة أيام من كل شهر - والقول الأول الراجح.
وقوله: (فمن كان منكم مريضا أو على صفر فعدة من أيام أخر) .
اختلفت كلمة العلماء في تحديد مستوى المرض الذي يرخص معه للمريض أن يفطر - فقد قال جمهور من أهل العلم: إذا كان المرض مؤلما ومؤذيا ويخشى تماديه وازدياده جاز للمريض أن يفطر.
وذهب الإمام مالك إلى أن المرض الذي يشق على الإنسان ويرهقه عسرا فإنه يُباح معه للمريض بموجب هذا الوصف أن يفطر.
وقال الشافعي: إنه ليس للمريض أن يفطر إلا إذا ألمت به ضرورة تضطره إلى ترك الصيام، فإن كان كذلك أبيح للمريض أن يفطر، لكنه إذا كان في مقدوره أن يحتمل الضرورة فليس له أن يفطر - وفي تقديري أن هذا القول لا يخلو من إعنات وتعسير ترفضهما شريعتنا السمحة.
وقال ابن سيرين: متى كان الإنسان في حال يستحق معها اسم المرض فقد جاز له أن يفطر، وذلك قياسا على المسافر لعلة السفر.
وفي ضوء هذه الأقوال التفصيلية يمكن أن نتصور المرض بالنسبة لرخصة الإفطار أو عدمها على أربعة ضروب.
الضرب الأول: وهو المرض الشديد الذي لا يطاق والذي يؤدي فيه الصوم إلى الهلاك غالبا، فإنه في مثل هذا الحال يصبح الإفطار بالنسبة للمريض واجبا، وليس له إذن أن يصوم مخافة أن يهلك؛ لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) .
الضرب الثاني: وهو المرض الذي لا يحتمله الصائم إلا بضرر محقق أو بمشقة عسيرة مؤذية والصوم وإن كان لا يخلو من مشقة، لكنه ليس الأصل فيه أن يحتمل إعناتا وتعسيرا؛ لما في ذلك من حرج - ومن أصول الشريعة أن الحرج مرفوع؛ لقوله سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) والمريض في مثل هذه الحال يستحب له أن يفطر - وذلك على سبيل الندب لا الإيجاب - وبذلك فإن الإفطار في حق المريض في الحال الأول واجب، لكنه في حقه في الحال الثاني مندوب ندبا.
الضرب الثالث: مريض لا يخلو من ألم أو إيجاع، لكنه يحتمله دون أن يلحق به ضرر أو عنت - وفي مثل هذا فإن المريض مباح له الإفطار، فلا الإفطار واجب ولا هو مستحب استحبابا كالحكمين السابقين، ولكنه لا يتجاوز حد الإباحة التي يستوي فيها الحكم بين الفعل وتركه.
الضرب الرابع: أن يكون المرض هينا يسيرا عابرا كنوبة من صداع بسيط أو حمى خفيفة تمر الإنسان، فلا ترهقه عسرا، ولا تؤثر في عافيته إذا صام أدنى تأثير، وفي مثل هذا المرض الهين اليسير خير للمرء أن يصوم - أو أن الصوم في حقه في هذه الحال أفضل - والله تعالى أعلم 201.