فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 2536

جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنهما فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم، فقالت أحبار اليهود: ما آمن لمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم - وقالوا لهم"خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره فأنزل الله (ليسوا سواء من أهل الكتاب) 202 والوقف على سواء - وبذلك فإن قوله: (ليسوا سواء) والمراد أنه لما وصف أهل الكتاب في الآية السابقة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك من حيث المذمة والسوء، بل فيهم من يتصف بالصفات الحميدة والخصال الجيدة."

إذا تبين ذلك فقد مدح الله الفئة المؤمنة من أهل الكتاب ممن آمن من اليهود برسالة الإسلام بعدة صفات هي:

أولا: أنها قائمة، أي مستقيمة عادلة - وذلك من قولك: أقمت السيف فقام أي استقام.

ثانيا: التلاوة وذلك في قوله: (يتلون آيات الله آناء الليل) والمراد بالآيات المتلوة هنا آيات القرآن - وقيل غير ذلك.

وقوله: (آناء الليل) الآناء بمعنى الأوقات والساعات منصوب على الحال - وواحدها: أنا، وإنْي بكسر الهمز وسكون النون.

ثالثا: السجود - وذلك في قوله: (وهم يسجدون) في تأويل ذلك وجهان:

أحدهما: يحتمل أن تكون الآية (وهم يسجدون) حالا من التلاوة كأنهم يقرأون القرآن في السجود مبالغة في الخضوع والخشوع - واستبعد بعضهم ذلك؛ لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود.

ثانيهما: يحتمل أن يكون ذلك كلاما مستقلا - فيكون تقدير الكلام أن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم وهم مع ذلك يسجدون فيها - فالسجود هو السجود المعروف.

رابعا: الإيمان بالله واليوم الآخر - وذلك في قوله: (يؤمنون بالله واليوم الآخر) أي يصدقون بالله وبالبعث بعد الممات ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم.

خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن النكر - وذبك في قوله: (ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) أي أنهم يدعون الناس إلى توحيد الله وتصديق محمد صلى الله عليه و سلم وينهونهم عن الشرك بالله وعن إنكار نبوة محمد صلى الله عليه و سلم - فهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به، وينهونهم عن المعروف وهو تصديق محمد صلى الله عليه و سلم فيما أتاهم به من عند الله.

سادسا: المسارعة في الخيرات - وذلك في قوله: (ويسارعون في الخيرات) أي أنهم يبتدرون فعل الخيرات خشية الفوت بالموت.

سابعا: الصلاح - وذلك في قوله: (وأولئك من الصالحين) أي أن هؤلاء الموصوفين بما وصفوا به من مزايا الخير هم من جملة الذين صلح حالهم في ميزان الله فكانوا من الفائزين، لا جرم أن ذلك غاية في المدح والتكريم.

قوله: (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) ذلك إخبار من الله تعالى عن الجماعة الموصوفة سابقا بالقائمة، التالية آيات الله، الساجدة، بأنها لا تفعل من خير أو تعمل من عمل لله فلن يكفرهم الله - من الكفر وهو التغطية والستر - كفره أي غطاه وستره - والكفر والكفران بمعنى الجحود والستر.

والمقصود أن ما تعمله هذه الأمة من خير فلن يبطل الله ثواب أعمالهم ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم - ولكنه يجزل لهم الثواب ويكتب لهم الجزاء والكرامة، خلافا لما كان يهدي به أحبار يهود لما قالوا لهم: لقد كفرتم وخسرتم - أو خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت