أما زمن القصر للمسافر ففيه خلاف كذلك - فثمّة قول بأنه ليس له أن يقصر حتى يخرج من بيوت البلدة التي ينوي السفر منها - وذلك مذهب جمهور العلماء.
وفي قول آخر لفريق من الصحابة وعطاء بن أبي رباح وهو جواز البدء في القصر عند العزم على السفر فله بذلك أن يقصر وهو في بيته يزمع على السير - وهذا المعنى مأخوذ من تأويل آخر للآية: (وإذا ضربتم في الأرض) أي المقصود هو فيما إذا عزمتم على الضرب في الأرض - وقيل غير ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.
وتلك مسألة أخرى في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر بات مقيما وعليه الإتمام - وقد جاء فيها عدة أقوال:
أحدها: إذا نوى المسافر أن يقيم أربعة أيام فعليه الإتمام - وهو قول مالك والشافعي والليث وهو مروي عن سعيد بن المسيّب.
ثانيها: إذا نوى المسافر أن يقيم خمس عشرة ليلة فعليه الإتمام وإن نوى الإقامة أقل من ذلك سمح له أن يقصر - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه - وقد روي هذا القول عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس.
ثالثها: أن يعزم المسافر على الإقامة مدة إحدى وعشرين صلاة مكتوبة، فإن كان كذلك جاز له القصر، وإن عزم على أن يقيم أكثر من هذه المدة وجب عليه أن يتم - وهو قول أحمد وداود الظاهري.
رابعها: جواز القصر أبدا ما دام المسافر بعيدا عن وطنه ولم ينو الإقامة فلو كان مسافرا وطال به حال السفر ولم ينو أن يقيم فهو معتبر مسافرا وله حق القصر حتى يعود إلى وطنه أو ينوي الإقامة بعيدا عن موطنه السابق - فقد روي عن أنس (رضي الله عنه) أنه كان قد أقام بنيسابور مدة سنتين وهو يقصر الصلاة من غير أن ينوي الإقامة؛ إذ كان يؤخر من رجوعه من حين لآخر لما يعرض له من أسباب تعيق - وروي كذلك عن عبد الله بن عمر أنه أقام بأذربيجان مدة طويلة لم يستطع فيها الرجوع بسبب الثلوج المتراكمة وكان خلال هذه المدة يقصر صلاته من غير نية في الإقامة طيلة هذه المدة - لكنه كان مؤملا في الرجوع من وقت لآخر لولا أسباب تعرض له فتحول دون الإياب - فالمسافر والحالة هذه لا يعتبر مقيما؛ لأنه لم يقصد الإقامة فجاز له القصر وذلك عندي هو الراجح المختار 148.
قوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) الفتنة هي الشرك، أو العذاب يحيق بالمؤمن فيردّه عن دينه إلى ملّة الكافرين.
يتبين من ظاهر هذه الآية أن قصر الصلاة حين الضرب في الأرض جائز بشرطين اثنين وهما: الضرب في الأرض والخوف معا - ذلك في الكتاب الكريم، لكن السنّة قد ورد فيها جوز القصر لحصول السفر وحده من غير إشراك للخوف - وقد سأل ابن عمر النبي (ص) عن ذلك فقال:"تلك صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
وثبت عنه (ص) أنه قصر الصلاة من أربع ركعات إلى اثنتين في أسفاره جميعها حالة كونه آمنا وليس من خوف - وذلك معتبر سنّة من سننه (ص) مما ليس في القرآن له بيان - وهو عليه الصلاة والسلام مخوّل من ربه ليضطلع بوجيبة التشريع فيما يكون بيانا أو توضيحا للكتاب الحكيم لقوله سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) .
ويقول عليه الصلاة والسلام في هذا الصدد عن مهمته في الإتيان بما ليس في الكتاب:"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"وهو يقصد بذلك السنة لما تنطوي عليه من معان وأحكام لا وجود لها في الكتاب.
والظاهر من قوله: (إن خفتم أن يفتنكم) أن ذلك قد خرج مخرج الغالب فقد كان المسلمون في غالب أسفارهم تحيق بهم أسباب الخوف فلا يشترط أن يقترن الخوف بالسفر لجواز القصر بل إن مجرّد السفر وحده يكفي.