فكيف لو أدركت زماننا هذا.. الذي تكالبت فيه قوى الشر على جهود الخير المتواضعة، وتحركت معاول الهدم على صرح الفضيلة تريد أن تمحو أثره من الوجود؟؟.
زمان فشى فيه الجهل والانسلاخ ،وضيّعت فيه الأمانة، ونطق فيه الرويبضة (1) .
زمان خوّن فيه الأمين، وأُمِّن فيه الخائن، وأكرم فيه أهل الباطل، وحقّر فيه أهل الحق، حتى أصبح المتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم أندر من الذهب الأحمر فلا يؤخذ قولهم، ولا يجدون معينًا لهم ، وأصبحوا غرباء حقا، لا يجدون على الحق أنصارًا.
وصدق فيهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم للغرباء:"أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم" (2) .
وانطبق على الكثير من أهل زمانهم قول القائل:
أرى حللًا تصان على رجال
وأعراضًا تذل فلا تُصانُ
يقولون الزمان به فساد
وهم فسدوا وما فسد الزمانُ
وكما أن التغيير حصل في انحراف كثير من الناس عن العقيدة الصحيحة، واتبعوا الأهواء ومضلات الفتن، فإنه -أيضًا- حصل التغيير في الأخلاق، فانحدر سلوك كثير من المسلمين ، حتى والله لو قورن خلقه بأخلاق أهل الجاهلية لفضلوا عليه، مع ما أنعم الله عليه من نعمة الإسلام، ولا سيما في أخلاق عظيمة مرتبط بعضها ببعض، كالحمية، والمروءة، والغيرة على الأعراض، وحمايتها مما يدنّسها أو ينالها بسوء.
حتى قال بعضهم:"وددت لو أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية؛ ألا ترى أن عنترة الفوارس، جاهلي لا دين له، والحسن بن هانئ- أبو نواس- إسلامي له دين، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه، فقال عنترة في ذلك:"
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
وقال الحسن بن هانئ مع إسلامه:
كان الشباب مطية الجهل
ومحسّن الضحكات والهزلِ
والباعثي والناس قد رقدوا
(1) الرويبضة:هو الرجل التافه الذي يتكلم في أمر العامة.
(2) رواه أحمد ، انظر"السلسلة الصحيحة"1619"."