ولقد بدأت الغربة تستحكم منذ أن كسر الباب الذي كان بيننا وبين الفتن بمقتل عمر بن الخطاب رضي الله، فمنذ ذلك اليوم انطلقت الفتن، وبدأت تموج كموج البحر، ودارت رحاها على الناس، فأصبح الكثير منهم يتخبط لا يعرف الحق من الباطل ولا الصحيح من السقيم، وبسطت الدنيا نفوذها على كثير من البشر، فأصبحوا في غيهم سادرين، ونسوا وصية نبيهم الناصح الأمين- عليه الصلاة والسلام- التي قال فيها:"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" ((1) .
وقوله صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (2) .
ومن أجل أن يعرف الصالحون ما هم مقبلون عليه من الفتن والامتحان، فقد بيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما في طريقهم من العثرات والعقبات حتى لا يفاجأوا فيها، وذلك بقوله- عليه الصلاة والسلام-:"لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم" (3) .
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه:"إنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاءً وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولن تروا من الأمراء إلا غلظة، ولن تروا أمرًا يهولكم ويشتد عليكم إلا حقره ما بعدُ ما هو أشد منه".
وقال عروة بن الزبير:"كانت عائشة-أم المؤمنين - رضي الله عنها- تقول: رحم الله لبيدًا كان يقول:"
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فكيف لو أبصر زماننا هذا ؟
قال عروة: ونحن نقول: رحم الله عائشة فكيف لو أدركت زماننا هذا ؟" (4) ."
رحمك الله يا أماه..
فهي تقول هذا الكلام وهي تعيش في خير القرون، وبين صفوة البشر بعد الأنبياء: صحابة محمد صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم وأرضاهم.
(1) رواه مسلم (2742) .
(2) مسلم (118) .
(3) البخاري (7068) .
(4) العقد الفريد لابن عبد ربه (2/186) .