قال ابن كثير:"فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك وليس له ضربها ولا هجرانها؛وقوله:"إن الله كان عليًا كبيرًا"؛تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممّن ظلمهنّ وبغى عليهن" (1) .
والخطأ الذي يحصل أن بعض الأزواج لاستغنائه بامرأة أخرى أو لسبب آخر فإنه يستمر في هجر زوجته حتى وإن رجعت إلى رشدها واستقامت على طاعته، وذلك على حد زعمه جزاء لها حتى تتأدب ولا تكرر نشوزها وهذا لا يجوز، لأن الهجر وضع لعلة، فإذا زالت هذه العلة انتهى الهجر الذي وضع بسببها، ووجب عليه إعطاؤها حقها.
وأجدني محتاجًا إلى التنبيه مرة أخرى إلى أن النساء مختلفات الطباع، فبعض النساء قد لا يصبرن طويلًاعن المعاشرة، وبعضهن قد يصبرن، ولكن مهما كان فإن المرأة في الجملة تحتاج إلى زوجها ولو قسى عليها أحيانًا لأنها ضعيفة تفتقر إلى الإيواء والاهتمام والعطف والتودد، وتحس بالوحشة والأرق إذا ابتعد عنها زوجها ولو لفترة قصيرة؛فكيف بما يفعله البعض من الهجر الطويل دونما سبب؟
وتأمل هذا الأثر الذي يبين مدى حاجة المرأة إلى زوجها.. لعل فيه تحريكًا لمشاعر البعض وتنبيهًا للغافلين الذين لا يعرفون العواقب التي قد يؤدي إليها الهجر إذا كان على غير الهدي الرباني..
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها وقد ذهب زوجها إلى الجهاد فسمعها عمر وهي تقول..
لقد طال هذا الليل واسود جانبه
وأرّقني ألًا ضجيع ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه
لحرّك من هذا السرير جوانبه
ثم تنفست الصعداء، وقالت: أشكو عمر بن الخطاب وحشتي في بيتي وغيبة زوجي عني، وقلة نفقتي ، فلانَ لها عمر- رضي الله عنه- فلما أصبح بعث إليها بكسوة وكتب إلى عامله أن يسرح إليها زوجها.
(1) تفسير ابن كثير (1/467) .