فبينما يعيش المرء في هذه الدنيا؛يظن أن أجله بعيد؛وقد ألهاه الأمل؛إذا بالموت يفْجَؤه؛وبدأ ينازع السكرات والشدائد؛ وقد نزل ملك الموت لقبض روحه؛وإذا بالألم يسري في جميع أجزائه؛في كل عرق وعصبٍ ومفصل؛من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين؛وقد قيل:إن الموت أشد من ضربٍ بالسيوف؛ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض؛ ولما احتضر النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل يديه في ماء يمسح بهما وجهه ويقول:"لا إله إلا الله؛إن للموت لسكرات"0
وكم من شخص وقد نزل به الموت ؛فإذا به قد خفت صوته وصياحه؛وضعفت قوته وخارت قواه؛والكرب قد تصاعد على قلبه بألم شديد؛حتى غلب على كلِّ موضع من جسده؛فهدَّ كلَّ جزء وأضعف كل جارحة؛أما العقل فقد غشيه الألم وشوشه؛ وأما اللسان فقد أبكمه؛ وأما الأطراف فقد أضعفها؛وكم يود المحتضر لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح ولكنه لا يستطيع؛وقد انتشر الألم في داخله وخارجه؛وتقلص لسانه؛واخضرت أنامله؛وبردت أطرافهُ0
والناس حوله باكون؛ينادونه:يا فلان..يا فلان؛وهو في حال أخرى وعالم آخر؛ يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون0
يرى الملائكة وقد جاءوا لقبض روحه؛ [فلولا إذا بلغت الحلقوم،وأنتم حينئذ تنظرون،ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون] 0
فإما مبشرٌ برحمة من الله ورضوان؛وإما مبشرٌ بغضب من الله ولعنة؛إما أن تنزل عليه ملائكة بيض الوجوه؛وإما أن تنزل عليه ملائكة سود الوجوه0
إن الموت هو تلك الحقيقة التي يوقن بها كلُّ عبد؛ويعرف أنه منتهٍ إليها لا محالة؛ طال عمره أم قصر؛فلا بد من ساعة الرحيل؛وسكنى ذلك القبر الموحش؛ [كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور] 0
فكم من صاحب قريب كنا نأنس بقربه؛ونستعذب بحديثه هو الآن في ظلمة القبور؛لقد تخطانا الموتُ إليه؛ولا بد من ساعةٍ يتخطى غيرنا إلينا؛فعلى أي حال سنكون؟ وماذا أعددنا لذلك اليوم ؟؟