أننا فقدنا أولئك الشباب الغيورين الذين كان أحدهم إذا بلغت أخته سن العاشرة حبسها في البيت، وعاملها معاملة النساء الكبيرات، فلا تخرج إلا بحدود ضيقة، مغطية رأسها، ويا ويلها إن وقفت عند الباب، أو نادت الباعة؛ فعند ذلك لا تتصور ما يأتيها من النكال، ولذا تجد البنت تنشأ وقد تشرًّبت الأخلاق الحسنة.
ولكن .. للأسف الشديد .. فقدنا ذلك الصنف من الشباب، فصاروا أندر من النادر، فتجد المنزل يدخله كل ما يفسد الأخلاق ويدمرها، فخرجت عندنا هذه الأصناف المنحرفة.
وإنني إذ أخص الشباب بالذكر لأنهم اطلعوا على سبل الانحراف، فكان الواجب عليهم أن يحصنوا بيوتهم عنها، ويحذروا أن تداهمهم، لا أن يغفلوا كما غفل غيرهم حتى داهمهم الفساد على حين غرة؛ فأصابهم في مقتل، سقطوا على إثره،يتأَوَّهُون من الألم، ويشتكون من الإصابة ..
كفى حزنًا أن لا حياة هنيئة
ولا عمل يرضى به الله صالحُ
قصة حزينة..
قبل زمن ليس بالبعيد كانت تتجلى في مجتمعاتنا صورًا جميلة مشرقة، تعكس مدى ما كان عليه الناس من التمسك بالأخلاق العالية، والآداب الرفيعة.
ولو جلست مع من أدرك ذلك الزمان، ولم ينسلخ من مبادئة الكريمة، وطلبت منه أن يحدثك عن أحوال الناس آنذاك.. لحدثك حديثًا مصحوبًا بالتنهدات والزفرات الحارة، هذا إن لم يعلو صوته نشيج وبكاء.. وحاله كقول القائل:
فزعت إلى الدموع فلم تجبني
وفقد الدمع عند الحزن داءُ
وما قصرت في حزن ولكن
إذا عظم الأسى ذهب البكاء
فلا تستغرب .. ولا يأخذك العجب!! فإن طهارة الماضي صحبتها رقة في القلوب، وحنين لا ينقطع.