الصفحة 5 من 98

اقتضت الحاجة الاجتماعية أن يكون لكل فرد من أفراد المجتمع اسم يميزه من غيره، وييسر عليه وعلى غيره أن يتعاملا، ودعت إليه الحاجة اللغوية [1] ، إذ يزوي اسم الفرد جملة من الصفات في لفظ مختصر يستدعي إلى الذهن صورة الشخص عن ذلك الاسم. وليس الإنسان هو المتفرّد بهذا بل كل ما أريد اختصاصه من بين أفراد جنسه - لما له من أهمية خاصة- من جماد أو حيوان جُعل له اسمٌ يكون علامة عليه تستدعيه إلى الذهن بلفظها دون قرينة ما تحقق شرط العهديّة.

ولمّا كان الاسم الخاص المميز له علامة، أطلق عليه النحويون مصطلح (العَلَم) والعَلَم في اللغة هو الجبل [2] الذي من شأنه أن يكون علامة في الصحراء يهتدى به، قالت الخنساء:

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمَ فِي رَأْسِهِ نَارُ

وأسماء الناس مجال واسع للدرس، ففيه مجال للدرس الاجتماعي الذي يدرس الفرق بين التسميات في الطبقات الاجتماعية المختلفة، والبيئات الاجتماعية المتباينة، وتظهر مسألة اختيار الاسم للوليد عادات اجتماعية مختلفة، وهي مجال للدرس الجغرافي الذي يهتم بالتوزيع الجغرافي للأسماء وارتباطها ببيئات جغرافية مختلفة، مثل البيئات الزراعية والبيئات الرعوية، والبيئات البدوية والحضرية، وهي مجال للدرس النفسي الكاشف عن الارتباط بين الاسم والحالة النفسية المصاحبة للتسمية من خوف على الوليد، أو رجاء أو امتنان، أو سخط. وهي مجال للدرس التاريخي الذي يؤرخ للأسماء، ويعرف بارتباطاتها بشخصيات تاريخية تعطي الاسم بعدًا تاريخيًّا وقيمة اجتماعية تؤثر في التسمية وفي

(1) قال ابن جني: «إنما وضعت الأعلام لضرب من الاختصار وتنكب الإكثار، وذلك أن الاسم الواحد من الأعلام قد يؤدي بنفسه تأدية ما يطول لفظه ويمل استماعه، ألا ترى انك إذا قلت: كلمت جعفرًا؛ فقد استغنيت بجعفر عن أن تقول: الطويل البزاز الذي نزل مكان كذا وكذا، ويدعى ولده كذا ومبلغ تجارته كذا ويلبس من الثياب كذا ويتعاطى من كذا كذا، إلى ما يطول ذكره ثم لا يستوفى لأنه لا يمكنك في التفصيل أن تذكر جميع أحواله التي تخصه، ولعلك أنت أيضًًا إنما تعرف القليل منها فكان ذلك يكون مؤديًا إلى الإطالة وربما لم يستوف الغرض والبغية، فلما رأوا ذلك أنابوا عن جميعه اسمًا واحدًا علَمًا يغني عن الإطالة والملالة وقصور المعنى مع حسور المنّة» . انظر: أبوالفتح عثمان بن جنّي، المبهج في تفسير أسماء ديوان الحماسة، ط2 (دار الكتاب العربي) ، 21 - 22.

(2) إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، ط2 (بيروت: دار العلم للملايين، 1979م) ، مادة: علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت