الصفحة 40 من 98

الفصل الثالث

الثابت والمتغير

كانت الجزيرة العربية قبل النهضة الحديثة التي واكبت الدولة السعودية الثالثة أشبه ببحيرات منعزل بعضها عن بعض، فكان لكل منها طابعها الخاص من حيث اللهجة والعادات الاجتماعية والأسماء التي يتسمون بها. فهناك أسماء متداولة في منطقة مثل منطقة القصيم لا تجدها في غيرها من المناطق، وإن وجدت فهي نادرة كل الندرة، فالأسماء مثل: شيخة، الجوهرة، سلطانة، مريفة، لم تكن مستخدمة في القصيم قبل خمسين عامًا؛ ولكنها معروفة في مناطق أخرى مثل سدير والخرج. والاسم مضاوي مشهور في القصيم لكنك قد لا تجده في الوشم، والأسماء مثل: حسين، سعيد، نادرة الاستخدام في مناطق نجد بعامة، ولكنها واسعة الانتشار في المناطق الحجازية والجنوبية من المملكة العربية السعودية. ومثل ذلك، الأسماء: عوض، عيضة، معاضة، غرم الله، كلها غربية جنوبية يكاد لا يعرفها أهل نجد ولا أهل المنطقة الشرقية. وإذا سمعت أسماء مثل: صدقة وسراج، جزمت أنّ صاحبها حجازي.

ولم تلبث التسمية بعد ذلك أن تغيّرت، حيث تأثرت المناطق بعضها ببعض، وتأثرت الجزيرة بعامة بغيرها من الدول العربية وغير العربية.

ولاشكّ أن بعض البيئات في الجزيرة العربية لم تكن بمنأًى عن التغير في وقت مبكّر جدًّا أو هي كانت عُرضة على الدوام للون من التغير تفرضه طبيعة موقعها واستراتيجيته. فالحجاز، مثلًا، كان على صلة دائمة بالعالم الخارجي لأنّ الحرمين قبلة المسلمين، حيث تهوي إليه أفئدةٌ من الناس بما تحمله من ألوان الثقافات الخاصة، والحجاز على صلة قوية بتركيّا ومصر وكان تابعًا لإدارتهما قبيل الدولة السعودية الثالثة. والحجاز أيضًا ذو ثغور على البحر الأحمر من الشمال إلى أقصى الجنوب، والثغور ذات طبيعة اتصالية، فهي تكون أكثر انفتاحًا، على غيرها، من المناطق الداخلية المحتجبة خلف الرمال. ومثل الحجاز أيضًا المنطقة الشرقية من المملكة، فهي أيضًا ثغر يطل على الخليج العربي، وينفتح على الثقافات الآسيوية والثقافات المجاورة. ولا شك أنّ الرحلات التي يرحلها أبناء تلك المنطقة لها أثر في التغيّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت