أو على الأقل عن الأخير منهم فهو محبب إليها كثيرًا كونه جميلًا ناعم الصوف، وديعًا، رخيم الصوت مطيعًا إطاعة مذهلة، لم يغادر مخيلتها لحظة واحدة، لا سيما كلماته المحببة إلى قلبها، مآ، مآ، مآ وطالما رددت بينها وبين نفسها: السحر العجيب في محبة الأبناء للأمهات لا يفوقه إلا محبة الأمهات للأبناء.
كان أبو صطوف مضيافًا لا يتردد في ذبح الخراف لضيوفه إكرامًا وتقديرًا لمحبته لهم، وتسهيلًا لأموره ومصالحه، إلا أنه كان يعمل بوصية والده ومفادها: لا تذبح يا بني الخروف أمام أُمه أو حتى بوجودها في المنزل فالأم غنمة كانت أم بقرة أم أرنبة أم عصفورة...الخ. أشد ما يؤلمها أن يذبح ابنها أمامها.
نعجة أبو صطوف هذه كانت تبذل المستحيل لتحافظ على علاقة الثقة بينها وبين صاحبها وأهل بيته. تدرّ لهم الحليب يوميًا بكميات كبيرة، تعطيهم الصوف الجيد، تلد كل عام خروفًا وديعًا سليم الجسم معافى.
ذات يوم وإثر دوخة شعرت بها في رأسها أخطأت باب حظيرتها ودخلت غرفة الضيوف في منزل أبي صطوف وكم كانت دهشتها كبيرة عندما شاهدت جلود أبنائها على الأرائك في الغرفة. كادت أن يغمى عليها. قالت: كم كنت سعيدة قبل أن أدخل غرفة الضيوف ويصدمني الواقع المؤلم. كنت أعيش بالأمل وما أجمل أن يرافق الأمل الحياة لأنه لا حياة مع اليأس.
لم أكن أظن أن أبا صطوف قاس إلى هذا الحد. أمضيت عمري بانتظار عودتهم بينما لم يبق منهم إلا الجلد؟!.
خرجت النعجة من غرفة الضيوف مسرعة، وذهبت إلى الحظيرة. أضربت عن الطعام فلا ابتسامات أبو صطوف الماكرة قادرة على خداعها ولا تساؤلاته واستغرابه ما أصابها فقد شاهدت بأم عينها جلود أبنائها في غرفة الضيوف.
جفَّ حليبها، وأُصيبت بالهزال الشديد فلم يجد الموت صعوبة في اختطاف روحها.
آخر كلمة قالتها: الموت أهون من فقدان الأبناء. كانت أمًّا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان.
فلسفة الذئب!!
في ليلة حالكة من ليالي شتاء قارس نهض ذئب مسن من نومه مذعورًا بعد أن أيقظه جوع كاد يمزق معدته وبدأ يصرخ:
تبًا لحياتي على سطح هذه الأرض. يقولون إن كوكب الأرض أغنى الكواكب، وأنا لا أستطيع أن أملأ معدتي الصغيرة قبل أن أنام؟!.
ما أقسى الحياة مع الجوع. أيوجد في هذا العالم من ينهشه الجوع كما ينهشني الآن؟!. حتى النوم يصبح مع هذا الكافر متعذرًا وغير مريح، وفجأة خفّت حدّة صوته وانخفض صراخه وتساءل: