أهلُ القريةِ أخبروني أنَّ البقرةَ مضربةٌ عن الـ....
مِرداس…:
(يقاطعه) أهلُ القريةِ كاذبون.
عبّاس…:
قالوا إنها اتّخذَت خروف الجيرانِ ولدًا لها..
مِرداس…:
الناسُ لا تكفُّ عن الثرثرة.. تفضّلْ إلى غرفتِك.
عبّاس…:
دعنا نتحادث يا رجُل.
مِرداس…:
(متشكّكًا وبعدوانية خفيّة) من أنتَ وماذا تريد؟...
عبّاس…:
أنا عبّاسُ بنُ أحمد. عالِمٌ عِراقيٌّ ورحّالةٌ وكاتب. وقد وعدَني قاضي القضاةِ أن يجعلَني قاضيًا على مدينةِ بغدادَ عاصمةِ الخلافة، إن كتبتُ كتابًا عن ألفِ مشكلةٍ رأيتُها وقُمتُ بحلِّها بالحقِّ والقانون. وقد كتبتُ حتى الآنَ عن تسعمئِةٍ وتسعٍ وتسعينَ مشكلة، والمشكلةُ الألْفُ عندَك.
مِرداس…:
لا مُشكلَةَ عندي ولا مكانَ للنومِ أيضًا. (يدفعه نحو الخارج) مع السلامة.
عبّاس…:
(يمسكهُ ويهزهُ بقوّة) اسمعْ يا هذا: لا يغُرَّنك أنّي عالِمٌ وكاتبٌ وأنّي غدًا قاضٍ على بغداد. أنا نشأتُ حمّالًا وابنَ حمّال، وأنا أقطعُ آفاقَ الأرضِ على قدميَّ من خمسِ سنوات (ويفلته دفعًا) ، فتأدَّبْ معي أو أؤدّبُك.
مِرداس…:
أمرُكَ سيّدي. كما تريدُ. (ثم مبتسمًا) والدفعُ سلفًا عن كلِّ ليلة.
عبّاس…:
(يخرج درهمًا من حزامه) هذا درهم.
مِرداس…:
وعدْتَني بعشرةٍ فبقي تسعة.
عبّاس…:
التسعةُ ثمنُ الحليبِ إنْ جئتَني بالحليب.
مِرداس…:
كما تريد. تفضّلْ من هنا واسكنْ في الغرفةِ التي تُعجِبُك. (ثم بلهجة عدائيّة كالضربة) أهلًا وسهلًا.
(عبّاس يلتفت إليه صامتًا، ثم يخرج) .
(4) … (مِرداس يفتح ساتر النافذة فتبرز البقرة، ثم يحمل إليها حزمة العشب. في الوقت نفسه يظهر عبّاس متسللًا يختبئ جانبًا ويراقب كل ما سوف يجري) .
مِرداس…:
شريفة.. انظري ما أحضرتُهُ لكرشِك؛ عشبٌ نظيفٌ قطفتهُ بيدي. كُلي يا عزيزتي، حشّي.
البقرة…:
(تدير رأسها جانبًا) .
مِرداس…:
(يحاول مواجهتها) أضربتِ عن الطعام وإِعطاءِ الحليبِ هذا مفهوم. والآنَ تضربينَ حتى عن النظرِ إليَّ والردِّ عليَّ أيضًا؟!... (تلتفت إلى الاتجاه الآخر) .
مِرداس…:
كما تريدين. (يقذف العشب إلى داخل الحظيرة) تأكلين في وقتٍ آخر. (يخرج من عُبِّه باقة بقلة) أمَّا هذه البقلةُ الطّيبة، فسوف نأكلها معًا أنتِ وأنا.
(ينتف بعض البقلة ويمضغها ويتلمّظ) بقلة حامضةٌ تفتحُ الشهيّة. ذوقي يا شريفة، ذوقي.
البقرة…:
(تعضّ يده الممدودة بالبقلة) .
مِرداس…:
آخ. (يعيد البقلة إلى جيبه) قاطعتُكِ يا شريفة.
البقرة…:
أحسن.
مِرداس…: