الصفحة 259 من 373

أطاع سالم الأوامر.. نفذ ما طلب منه بدقة.. حتى أن الخوف بدأ يغادره رويدًا رويدًا.. وعندما كان الجهاز يحتضن رأسه أخذ يتذكر السبب الذي من أجله أتى إلى هنا إنها الآلام التي كان والده غارقًا بها.. لقد وفر لوالده الشفاء بفضل تضحيته.. سر كثيرا بهذه التضحية..

في اليوم التالي أعيد سالم إلى الكرسي ذاته.. بل إلى الوضع نفسه تمامًا.. ويومها استحضر صور أهله وأحبته.. ثارت أشواقه إليهم.. أحس بحزن كبير لفراقهم وتمنى لو يحل اليوم الذي يعود ليلتقيهم من جديد..

وتتالت الأيام.. اعتاد سالم وضعه على ذلك الكرسي.. وكما أراد ت8 وت9 تبدلت أحاسيسه بين فرح وحزن، وشوق، وغضب.. وكل المشاعر التي يمكن للإنسان أن يعرفها.. وفي الأيام الأخيرة أخذ يبكي دموع اشتياق لأمه وأبيه واخوته وأحبته..

قبل اليوم الأخير من إقامة سالم على كوكب العباقرة فوجئ بصوت ت8 يبلغه: لقد انتهى العمل سترحل غدا عائدًا إلى الأرض.. أما اليوم فقد أعددنا برنامجًا ختاميًا لزيارتك استعد. سيأتيك من يحضرك إلينا.

وخلال لحظات قليلة، فتح الباب، الخارجي للمكان الذي يقيم فيه سالم.. ورأى مركبة كروية صغيرة.. أشير إليه أن يدخلها ففعل.. كان لهذه المركبة نوافذ بحيث أمكنه رؤية مركبات كثيرة مثلها تنتقل في الهواء بسرعة كبيرة، وكأنما تسير على طرق ومسارات دون أية حوادث.. اقتربت مركبة سالم من نافذة إحدى الأبنية العملاقة، فُتحت النافذة وتوقفت المركبة عندها.. ثم خرج منها جسر انزلق داخل المكان، فغادر.. أخذوا ينظرون إليه بعيون مسددة، ويتبادلون أحاديثًا لم يستطع فهم أي كلمة منها وقف في الصدارة ت8 وكأنما هو قائد الجميع أشار إليهم أن ينصتوا ثم قال مستخدمًا.

جهاز الإبطاء: لقد تمت التجربة بنجاح.. نفذتَ ما طلب منك بشكل جيد.. ونحن سنحاول أن ندخل تعديلًا على أجيالنا القادمة بحيث يعرفون ما خفي عنا.. ويحسون ما لم ندركه من مشاعر.. بالتأكيد ستكون حياتهم أروع من حياتنا فنحن رغم ما ننعم به من تقدم إلا أننا نفتقد جزءًا نعتقد أنه كبير جدًا.. وسنحاول إعادته إلى تكوين أجساد أجيالنا من جديد.. والآن: ما الذي لفت انتباهك أكثر في حياتنا؟

أجاب سالم: كل شيء.. كل شيء.. رأيت كل جديد.. ما أثار استغرابي السرعة التي تتميز بها حياتكم.. سرعة في الحركة، في الكلام، في تنفيذ ما ترغبون به.. حتى أن يومكم سريع.. وأردت أن أسألكم: كيف تعيشون؟ أليس لكل منكم أب وأم وأخوة.. أسرة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت