الصفحة 221 من 373

سمعَتِ الشمسُ حوارهما، فغضبَتْ من غرور الثلج، وزفرَتْ زفرةً حارة، ثم سلّطَتْ أشعتها الحامية على الثلج، فأخذ يذوبُ شيئًا فشيئًا، ليرجعَ ماءً، كما كان، فقال مدهوشًا:

-يا للعجب.. إنني أتحوّلُ إلى ماء!

استمرّ الثلجُ يسيل، قطرات تتبعها قطرات، كأنها دموع غزيرة، يذرفها الثلج، وهو ينسحب من القمة، وينزل رويدًا رويدًا.. وحينما وصل إلى الأراضي الواطئة، ساحَ في كلّ اتجاه، هائمًا على وجهه، لا يدري أين يستقرُّ، فهرع إلى النهر الطيّبِ، واستنجدَ به ليؤويه، فقال النهر:

-أهلًا بكَ يا عزيزي:

وسرعان ما احتضنه بين ضفّتيهِ، فاتّحدَ ماءُ النهر، وماءُ الثلج..

وسار النهرُ دفّاقًا غزيرًا.

يجودُ بمائهِ، وهو طروب.

فارتوتِ الربوةُ، وارتوى السهل.

ونَمَتِ البذورُ، واستطالَتْ سوقها

ثم ودَّعَتْ جوفَ الأرض، وخرجَتْ إلى النور.

فوُلِدَ الربيع.. جنَّة ألوانٍ وعطور..

العنكبوت

كانتِ النملةُ الصغيرة، تصعدُ جدارَ البيت، وعندما بلغَتْ زاويته، شاهدَتْ بيتَ عنكبوت..

اقتربَتْ منه تتفحَّصُهُ، فرأَتْ نسجه دقيقًا، وخيوطه واهية، وفي ناحية منه، كمنتِ العنكبوتُ، ساكنةً هادئة..

تأمّلَتْها زمنًا طويلًا..

لم تبارحْ مكانها!

رفعتِ النملةُ رأسها، وقالت للعنكبوت:

-ألا تخرجينَ من بيتك؟!

-ولمَ الخروج؟

-لتعملي كما نعمل.

أنا لا أعمل

-وكيف تكسبين قوتكِ؟!

-أكسبه وأنا قاعدة هنا.

-كيف؟!

-استريحي جانبًا، وانظري ما أفعل.

مكثتِ النملةُ، لترقبَ ما سيجري..

بعد حين..

جاءت ذبابةٌ، تطنُّ وتطيرُ، وهي مسرعة طائشة، فعلقَتْ بشبكة العنكبوت..

اهتزَّتْ خيوطُ الشبكة.. أحسَّتِ العنكبوتُ بالفريسة، فغادرَتْ مكمنها، واندفعَتْ نحوها، وأخذَتْ تلفُّها بخيوطٍ تفرزها..

كافحتِ الذبابةُ لتفلتَ، فلم تستطعْ خلاصًا، فجعلَتْ تصرخ:

-ارحميني أيتها العنكبوت!

ضحكتِ العنكبوتُ ساخرةً، وظلَّتْ تكفِّنها بخيوطها، حتى سكنَتْ حركتها..

أنشبَتْ فيها أنيابها، وبدأَتْ تمتصُّ دماءها، حتى صارت جوفًا فارغًا..

ألقتْ بها بعيدًا، ومضتْ إلى مكمنها، منفوخةَ البطن، تنتظر فريسةً جديدة.

دنَتْ النملةُ إليها، فقالتِ العنكبوت:

-عرفْتِ كيف أكسبُ قوتي؟

-لقد عرفْتُ

-هل أعجبكِ؟

-لا.

-لماذا؟

-لأنه ظلمٌ واحتيال

-وكيف تكسبين أنتِ قوتكِ؟

قالت النملة:

-أكسبهُ بالجدِّ والعمل.

-ولكنَّ العملَ شاقٌ!

-الكسبُ الشريفُ، لا يكون إلا بالعمل. أدارتِ النملةُ ظهرها، فقالت العنكبوت هازئة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت