الصفحة 220 من 373

الألم القليل قد يُنتجُ راحةً كبيرة .

والمعلِّمُ هذه المرّة هو: إبرة الطبيب!

شجرة اللوز

أمامَ بيتنا الجميل، حفرَ والدي حفرةً صغيرة.. أخرجَ لوزةً يابسة، رفعها بإصبعيه، وقال:

-ما هذه يا أحمد؟

-لوزة صغيرة .

-لا تنسَ ذلك .

-لن أنسى أبدًا.

وضع والدي اللوزة، في قَعْر الحفرة، وردمَ فوقها التراب..

-لمَ وضعْتَ اللوزة في التراب؟!

-لنحصلَ على لوز كثير.

-مِنْ أين؟

-مِنْ هذهِ اللوزة.

-كيف؟!

-اسألِ الأرض .

-لم أفهم!

-ستفهم فيما بعد.

مضَتْ شهور..

انشقّ الترابُ، وظهر رأس أخضر، أخذَ يكبر ويكبر، حتى صار شجيرةً صغيرة، طريّةَ الأغصان، ناعمةَ الأوراق.

ودارَ الزمان..

وأصبحتِ الشجيرةُ الصغيرة، شجرةَ لوزٍ كبيرة.

زارها الربيعُ، وزيَّنَها بالأزهار.

ما أجمل اللوزة!

أنا وإخوتي نلعبُ في ظلالها .

والنحلُ تمتصُّ رحيقَ أزهارها .

والطيرُ تغرّدُ على أغصانها .

وبيتنا يزدادُ جمالًا بجمالها

وفي أواخر الصيف، قطفنا منها لوزًا كثيرًا، أكلْنا منه طوالَ فصلِ الشتاء..

وتذكّرْتُ اللوزةَ الصغيرة، التي طمرها والدي في الأرض، منذ بضع سنوات، فسألته حينذاك:

-لمَ وضعْتَ اللوزةَ في التراب؟!

-لنحصلَ على لوزٍ كثير

-مِنْ أين؟

-مِنْ هذه اللوزة

-كيف؟!

-اسألِ الأرض .

ولكنني الآن.. لن أسألَ الأرض، فقد عرفْتُ كلّ شيء، لوسألْتُ الأرضَ، لما حصلْتُ على جواب..

الأرضُ تعرفُ العطاءَ، ولا تعرفُ الكلام. فما أكرمكِ أيتها الأرض!

أعطيناكِ لوزةً صغيرة، فأعطيتنا شجرةً كبيرة، ولوزًا كثيرًا..

الثلج

تربَّعَ الثلجُ على قمّةِ الجبل، وألقى نظرةً إلى الأراضي الواطئة، ثم ضحكَ مغرورًا، وقال:

-أنا فوق الجميع:

نادَتْهُ رَبْوةٌ قريبة:

-أيُّها الثلجُ العظيم، إنني ظامئة فأغثْني .

-لن أغادر القمة، فابحثي عن غيري .

-في جوفي بذورٌ صغيرة، ستموتُ من العطش .

-فلْتمتْ

-إذا ماتَتْ سيموتُ الربيع.

-فلْيمتْ .

حزنتِ الربوةُ كثيرًا، فقال لها النهرُ الطيّبُ:

-لا تحزني أيتها الربوة الصغيرة، سأمنحك مياهي، حتى آخرِ قطرة.

فرحَتْ الربوةُ، وبدأَتْ ترشفُ من النهر، وتُرضعُ بذورها الصغيرة.

بعد أيام..

قلّتْ مياهُ النهر، وكاد يجفُّ ويموتُ، فذهبَ إلى الثلج، وقال:

-أيها الثلجُ الجليل، لقد شحّتْ مياهي، فجئْتُ طالبًا عَوْنك .

-ولمَ تطلبُ العَوْنَ منِّي؟!

-لأنّكَ قريبي

-كيف؟!

-أنتَ ماءٌ، وأنا ماء

-لا أشبهكَ، ولا تشبهني، فابتعدْ عنّي. انصرف النهرُ يائسًا حزينًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت