كانت خطواتها قصيرة، وطريقها طويلة، فأعياها المسير، ولكنها لم ترجع يائسة، بل ظلّتْ ماضية فيما عزمَتْ عليه، حتى بلَغتْ طرف الورقة، فاتجهَتْ نحو الأسفل، ثم انعطفَتْ راجعة، ترسم خطًا جديدًا، يبعد عن الخط السابق، وظلَّتْ تحثُّ الخطا، حتى وصلَتْ إلى المكان الأوّلِ، الذي انطلقَتْ منه، فوجدَتْ صديقتها في انتظارها..
قالت لها، وهي تلهث:
-انظري ما صنعْتُ على الورقة!
تأمّلَتْ صديقتها، الشكل المرسوم، وما لبثت أنْ قالت:
-هذه خارطةُ الوطن العربي!
-هل أفسدْتُ بها الصفحة؟
-لقد أحسنْتِ يا صديقتي، فاستريحي حتى أكملَ العمل.
-ماذا ستفعلين؟
-سأرسمُ الحدودَ، بين الدول العربية
-إيّاكِ أنْ تفعلي!
-لماذا؟
-لن نضعَ حدودًا بين الأشقّاء .
فكّرتِ النقطةُ فيما سمعَتْ، ثم قالت مسرورة:
-ما أعظمك يا صديقي!
تبادلَتِ النقطتانِ النظرات، وارتفع منهما هتافٌ واحد!
-لن نرسم الحدود.
-لن نرسم الحدود .
فرحَتِ النقطتانِ، وتعانقتا طويلًا..
شعرتا بسعادة كبيرة، وكرهتا العودة إلى الانفصال لقد صارت النقطتانِ الصغيرتان، نقطةً واحدةً كبيرة:
خَوْخَة
غزوان طفلٌ صغير، في الرابعة من عمره، فيه صفة ذميمة، كثيرًا ما أغضبَتْ أمّه..
-أتريدونَ معرفةَ هذهِ الصّفة؟
لن أبوحَ لكم بها، بعد قليل تكشفونها، عندما تعرفون، ما فعل غزوان اليوم، فقد كان جالسًا، بجانب المدفأة، وبين يديه كتابٌ، يقلبُ صفحاته، ويتفرّجُ على صوره الملوّنة..
شاهدَ صورةَ خوخةٍ، نظر إليها طويلًا، ثم حمل كتابه، وذهب إلى أُمّهِ، وقال:
-ما هذه؟
-خوخة.
-كيف طعمها؟
-طيّبٌ لذيذ.
قال غزوان:
-أريدُ خوخة
-في الشتاء، لا يوجد خوخٌ يا حبيبيّ
-أريد خوخة.
عندما يأتي الصيف، سأشتري لكَ خوخًا كثيرًا.
-أريد خوخة
جلبَتِ الأُمُّ برتقالةً، أعطَتْها ابنها، وقالت:
-هذه البرتقالة، أطيبُ من الخوخة.
أكلَ غزوان البرتقالة، ثم ركض إلى أُمِّهِ، وقال لها:
-أريد خوخة
جلبَتْ له أُمّهُ، تفاحة حمراء، أعطتْه إياها، وقالت:
-هذه التفاحة، أطيبُ من الخوخة.
أكل غزوان التفاحة، ثم ركض إلى أُمِّهِ، وقال لها:
-أريد خوخة.
جلبَتْ له أُمّهُ، موزةً صفراء، أعطتْهُ إياها، وقالت:
-هذه الموزة، أطيبُ من الخوخة.
أكل غزوان الموزة، ولحس فمه بلسانه، ثم ركض إلى أمه، وقال لها:
-أريد خوخة.
ضاقَتِ الأُمّ به ذَرْعًا، وقالت غاضبة:
-لا يوجد خوخ.. لا يوجد خوخ!
-أريد خوخة.