-ولمَ العقابُ يا بني؟!. ما زلتم صغارًا.
قلت نادمًا حزينًا:
-إنني أعتذر إليكِ، فهل تقبلين اعتذاري؟
مدّتِ العجوزُ يدها، ومسحَتْ رأسي، براحتها الحانية، وقالت:
-لا تحزنْ يا صغيري، إنني أعذركَ وأسامحك.
ومضتِ الأمُّ الرؤوم، تسحب ابنها الحبيب إلى قلبها، وظللتُ واقفًا في مكاني، أرنو إليهما راحمًا، وأقول في نفسي:
-ما أكثرَ الدروسَ التي نأخذها خارج جدران المدرسة!
لماذا بكى مازن
حلّ الظلام.. ترك مازنٌ اللعبَ، وعاد إلى البيت خائفًا، يفكّر بعذرٍ، يقدّمهُ لوالديه..
قال فرحًا:
-لن ينجيني إلا الكذب!
وحينما دخل البيت، تطلّعَتْ إليه أنظارُ الأسرة، فقد كان الجميعُ ينتظرونه، بصبرٍ فارغ..
قال الأب:
-أين كنتَ يا مازن؟!
-كنتُ عند صديقي، أكتبُ وظائفي.
-ولكنني لا أرى معكَ دفاتر!
خجل مازن، وقال:
-كنت أزور جدّتي، فهي مريضة .
-جدتك خرجَتْ من عندنا منذ قليل!
ازداد مازن خجلًا، وقال متلعثمًا:
-كنت.. كنت.. خارج البيت!
انفجر الجميع ضاحكين..
وانفجر الكذّابُ باكيًا!
القارب والبحر
كان القاربُ، يتهادى مختالًا، فوق البحر الواسع، وما لبث أنْ شمخ بأنفه، وقال:
-ما أعظمني قاربًا!
أمتطي البحرَ الكبير، فينقلني حيثما أريد، ولا يعصي لي أمرًا.
قال البحر:
-يسعدني أنْ تعترفَ بفضلي .
-ليس لك أيّ فضلٍ، لأنكَ مسخَّرٌ لحملي.
-أتقضي عمرَكَ على ظهري، وتنكرُ الآن فضلي؟!
-اخفضْ صوتكَ، وأنتَ تحادثُ مَنْ فوقك.
-أتزعمُ أنكَ فوقي، ولم يرفعْكَ غيري؟!
-ما رفعني إلاّ منزلتي وقدري .
قال البحر غاضبًا:
-إنك لمعجبٌ بنفسكَ، وما يكون لأحدٍ أنْ يتكبّرَ على ظهري
قال القارب:
-سأظلُّ على ظهركَ، شئْتَ أم أبيت.
هاج البحرُ وثار، فصار موجُهُ كالجبال، وقذفَ القاربَ المغرور، فانطرح على اليابسة، مكسورَ الأضلاعِ، فاقدَ الإحساسِ..
وحينما صحا من إغمائه، حاول أن يتحرّكَ، فلم يجدْ قدرة!
أعادَ المِحاولةَ، ولكنْ دون فائدة..
شعر أنّ حياته قد انتهتْ، وأصبح هيكلًا من أخشاب.
قال نادمًا:
-لقد أهلكني الجحودُ والغرور .
ونظر إلى البحر الأزرق، والأمواج الراكضة، فعاودَهُ الشوقُ والحنين، وقال محزونًا:
-ما أعظمك أيها البحر!
الديك والفجر
استيقظ حمدانُ باكرًا، فأمسكَ ديكَهُ الأحمر، وربط ساقيه جيدًا، ثم ألقاهُ في السلّة، ومضى إلى المدينة..